فهرس الكتاب

الصفحة 1293 من 4557

وقوله { وَغَلَّقَتِ الأبواب } أى: أبواب بيت سكناها الذى تبيت فيه بابا فبابًا ، قيل: كانت الأبواب سبعة .

والمراد أنها أغلقت جميع الأبواب الموصلة إلى المكان الذى راودته فيه إغلاقا شديدا محكما ، كما يشعر بذلك التضعيف فى"غلّقت"زيادة في حمله على الاستجابة لها .

ثم أضاقت إلى كل تلك المغريات أنها قالت له: هيت لك ، أى: هأنذا مهيئة لك فأسرع في الإقبال على . . .

وهذه الدعوة السافرة منها له ، تدل على أنه تلك المرأة كانت قد بلغت النهاية في الكشف عن رغبتها ، وأنها قد خرجت من المألوف من بنات جنسها ، فقد جرت العادة أن تكون المرأة مطلوبة لا طالبة . . .

و"هيت"اسم فعل أمر بمعنى أقبل وأسرع ، فهى كلمة حض وحث على الفعل ، واللام فى"لك"لزيادة بيان المقصود بالخطاب ، كما في قولهم: سقيا لك وشكرًا لك .

وهى متعلقة بمحذوف فكأنما تقول: إرادتى كائنة لك .

قال الجمل ما ملخصه:"ورد هذه الكلمة قراءات:"هَيتِ"كليت ، و"هِيتَ"كفيل و"هَيتُ"كحيث ، و"هِيئتُ"بكسر الهاء وضم التاء ، و"هِئتَ"بكسر الهاء وفتح التاء ."

ثم قال: فالقراءات السبعية خمسة ، وهذه كلها لغات في هذه الكلمة ، وهى في كلها اسم فعل بمعنى هلم أى أقبل وتعال .

وقوله - سبحانه - { قَالَ مَعَاذَ الله إِنَّهُ ربي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون }

بيان لما ردّ به يوس عليها ، بعد أن تجاوزت في إثارته كل حد .

و"معاذ"مصدر أضيف إلى لفظ الجلالة ، وهو منصوب بفعل محذوف أى: قال يوسف في الرد عليها: أعوذ بالله معاذا مما تطلبينه منى ، وأعتصم به اعتصاما مما تحاولينه معى ، فإن ما تطلبينه وتلحين في طلبه يتنافى مع الدين والمروءة والشرف . . ولا يفعله إلا من خبث منبته ، وساء طبعه ، وأظلم قلبه .

وقوله: { إِنَّهُ ربي أَحْسَنَ مَثْوَايَ } تعليل لنفوره مما دعته إليه ، واستعاذ بالله منه .

والضمير فى"إنه"يصح أن يعود إلى الله - تعالى - فيكون لفظ ربى بمعنى خالقى . والتقدير: قال يوسف في الرد عليها: معاذ الله أن أفعل الفحشاء والمنكر ، بعد أن أكرمنى الله - تعالى - بما أكرمنى به من النجاة من الجب ، ومن تهيئة الأسباب التى جعلتنى أعيش معززا مكرما ، وإذا كان - سبحانه - قد حبانى كل هذه النعم فيكف ارتكب ما يغضبه؟

وجوز بعضهم عودة الضمير فى"إنه"إلى زوجها ، فيكون لفظ ربى بمعنى سيدى ومالكى ، والتقدير: معاذ الله أن أقابل من اشترانى بماله ، وأحسن منزلى ، وأمرك بإكرامى - بالخيانة له في عرضه .

وفى هذه الجملة الكريمة تذكير لها بألطف أسلوب بحقوق الله - تعالى - وبحقوق زوجها ، وتنبيه لها إلى وجوب الإقلاع عما تريده منه من مواقعتها ، لأنه يؤدى إلى غضب الله وغضب زوجها عليها .

وجملة { إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون } تعليل آخر لصدها عما تريده منه .

والفلاح: الظفر وإدراك المأمول .

أى: إن كل من ارتكب ما نهى الله - تعالى - عنه ، تكون عاقبته الخيبة والخسران وعدم الفلاح في الدنيا والآخرة فكيف تريدين منى أن أكون كذلك؟

هذا ، والمتأمل في هذه الآية الكريمة يرى أن القرآن الكريم قد قابل دواعى الغواية الثلاث التى جاهرت بها امرأة العزيز والمتمثلة في المراودة ، وتغليق الأبواب ، وقولها ، هيت لك: بدواعى العفاف الثلاث التى رد بها عليها يوسف ، والمتمثلة في قوله - كما حكى القرآن عنه - { مَعَاذَ الله إِنَّهُ ربي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون } .

وذلك ليثبت أن الاعتصام بالعفاف والشرف والأمانة ، كان سلاح - يوسف - عليه السلام - في تلك المعركة العنيفة بين نداء العقل ونداء الشهوة . . .

ولكن نداء العقل ونداء الشهوة الجامحة لم ينته عند هذا الحد ، بل نرى القرآن الكريم بحكى لنا بعد ذلك صداما آخر بينهما فيقول: { وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لولا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ . . . } .

وهذه الآية الكريمة من الآيات التى خلط المفسرون فيها بن الأقوال الصحيحة والأقوال السقيمة .

وسنبين أولا الرأى الذى نختاره في تفسيرها ثم نتبعه بعد ذلك بغيره فنقول: ألهّم: المقاربة من الفعل من غير دخول فيه ، تقول هممت على فعل هذا الشئ ، إذا أقبلت نفسك عليه دون أن تفعله .

وقال: بعض العلماء: الهم نوعان: هم ثابت معه عزم وعقد ورضا ، وهو مذموم مؤاخد به صاحبه ، وهَمٌّ بمعنى خاطر وحديث نفس ، من غير تصميم وهو غير مؤاخذ به صاحبه ، لأن خطور المناهى في الصدور ، وتصورها في الأذهان ، لا مؤاخذة بها ما لم توجد في الأعيان

روى الشيخان وأهل السنن عن أبى هريرة ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"إن الله تجاوز لأمتى عما حدثت به أنفسها ، ما لم تتكلم به ، أو تعمل به".

وقد أجمع العلماء على أن همَّ امرأة العزيز بيوسف كان هما بمعصية ، وكان مقرونا بالعزم والجزم والقصد ، بدليل المراودة وتغليق الأبواب ، وقولها"هيْت لك".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت