فهرس الكتاب

الصفحة 1320 من 4557

ثم حكى تعالى عن القوم ما لا يجوز أن يقع من المؤمن عند هذا الوعيد أحسن منه ، وهو قولهم لفرعون: { وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلا أَنْ ءامَنَّا بئايات رَبّنَا لَمَّا جَاءتْنَا } فبينوا أن الذي كان منهم لا يوجب الوعيد ولا إنزال النقمة بهم ، بل يقتضي خلاف ذلك ، وهو أن يتأسى بهم في الإقرار بالحق والاحتراز عن الباطل عند ظهور الحجة والدليل . يقال: نقمت أنقم إذا بالغت في كراهية الشيء ، وقد مر عند قوله: { قُلْ ياأهل الكتاب هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا } [ المائدة: 59 ] قال ابن عباس: يريد ما أتينا بذنب تعذبنا عليه إلا أن آمنا بآيات ربنا . والمراد: ما أتى به موسى عليه السلام من المعجزات القاهرة التي لا يقدر على مثلها إلا الله تعالى .

ثم قالوا: { رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا } معنى الإفراغ في اللغة الصب . يقال: درهم مفرغ إذا كان مصبوبًا في قالبه وليس بمضروب ، وأصله من إفراغ الإناء وهو صب ما فيه حتى يخلو الإناء وهو من الفراغ ، فاستعمل في الصبر على التشبيه بحال إفراغ الإناء . قال مجاهد: المعنى صب علينا الصبر عند الصلب والقطع ، وفي الآية فوائد:

الفائدة الأولى: { أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا } أكمل من قوله: أنزل علينا صبرًا ، لأنا ذكرنا أن إفراغ الإناء هو صب ما فيه بالكلية ، فكأنهم طلبوا من الله كل الصبر لا بعضه .

والفائدة الثانية: أن قوله { صَبْرًا } مذكور بصيغة التنكير ، وذلك يدل على الكمال والتمام ، أي صبرًا كاملًا تامًا كقوله تعالى: { وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ الناس على حياة } [ البقرة: 96 ] أي على حياة كاملة تامة .

والفائدة الثالثة: إن ذلك الصبر من قبلهم ومن أعمالهم ، ثم إنهم طلبوه من الله تعالى ، وذلك يدل على أن فعل العبد لا يحصل إلا بتخليق الله وقضائه . قال القاضي: إنما سألوه تعالى الألطاف التي تدعوهم إلى الثبات والصبر ، وذلك معلوم في الأدعية .

والجواب: هذا عدول عن الظاهر ، ثم الدليل يأباه ، وذلك لأن الفعل لا يحصل إلا عند حصول الداعية الجازمة وحصولها ليس إلا من قبل الله عز وجل ، فيكون الكل من الله تعالى .

وأما قوله: { وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ } فمعناه توفنا على الدين الحق الذي جاء به موسى عليه السلام وفيه مسألتان:

المسألة الأولى: احتج أصحابنا على أن الإيمان والإسلام لا يحصل إلا بخلق الله تعالى ، ووجه الاستدلال به ظاهر . والمعتزلة يحملونه على فعل الألطاف والكلام عليه معلوم مما سبق .

المسألة الثانية: احتج القاضي بهذه الآية على أن الإيمان والإسلام واحد . فقال إنهم قالوا أولًا { ءَامَنَّا بئايات رَبِّنَا } ثم قالوا ثانيًا: { وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ } فوجب أن يكون هذا الإسلام هو ذاك الإيمان ، وذلك يدل على أن أحدهما هو الآخر والله أعلم .

اعلم أن بعد وقوع هذه الواقعة لم يتعرض فرعون لموسى ولا أخذه ولا حبسه ، بل خلى سبيله فقال قومه له: { أَتَذَرُ موسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِى الأرض } .

واعلم أن فرعون كان كلما رأى موسى خافه أشد الخوف ، فلهذا السبب لم يتعرض له إلا أن قومه لم يعرفوا ذلك ، فحملوه على أخذه وحبسه . وقوله: { لِيُفْسِدُواْ فِى الأرض } أي يفسدوا على الناس دينهم الذي كانوا عليه ، وإذا أفسدوا عليهم أديانهم توسلوا بذلك إلى أخذ الملك .

أما قوله: { وَيَذَرَكَ } فالقراءة المشهورة فيه { وَيَذَرَكَ } بالنصب . وذكر صاحب «الكشاف» : فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون قوله: { وَيَذَرَكَ } عطفًا على قوله: { لِيُفْسِدُواْ } لأنه إذا تركهم ولم يمنعهم ، كان ذلك مؤديًا إلى تركه وترك آلهته ، فكأنه تركهم لذلك . وثانيها: أنه جواب للاستفهام بالواو ، وكما يجاب بالفاء مثل قول الحطيئة:

ألم أكُ جارَكم ويكون بيني ... وبينكم المودة والآخاءُ؟

والتقدير: أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض فيذرك وآلهتك . قال الزجاج: والمعنى أيكون منك أن تذر موسى وأن يذرك موسى؟ وثالثها: النصب بإضمار أن تقديره: أتذر موسى وقومه ليفسدوا وأن يذرك وآلهتك؟ قال صاحب «الكشاف» : وقرىء { وَيَذَرَكَ وَءالِهَتَكَ } بالرفع عطفًا على { أَتَذَرُ } بمعنى أتذره ويذرك؟ أي انطلق له ، وذلك يكون مستأنفًا أو حالًا على معنى أتذره هو يذرك وإلهتك؟ وقرأ الحسن { وَيَذَرَكَ } بالجزم ، وقرأ أنس { ونذرك } بالنون والنصب ، أي يصرفنا عن عبادتك فنذرها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت