فهرس الكتاب

الصفحة 134 من 4557

إنّ في الموقف الطيِّب المستجيب من الرجل المؤمن الذي جاء من أقصى المدينة يسعى دروسًا كثيرة: أوّلُها (إنه استجابة الفطرة السليمة لدعوة الحقّ المستقيمة، فيه الصدق والبساطة والحرارة واستقامة الإدراك وتلبية الإيقاع القويّ للحق المبين. فهذا الرجل سمع الدعوة واستجاب لها، بعدما رأى فيها من دلائل الحق والمنطق ما يتحدث عنه في مقالته لقومه) كما"في ظلال القرآن". تملّكته فكرة الحقّ وتغلغلت في قلبه حقيقة الإيمان فجعلته يهبُّ مسرعًا لإنذار قومه وبراهين وتحذيرهم وبدأ يسرد عليهم في جرأة متناهية حججًا وبراهين على صدق الرسل في دعوتهم {اتبعوا من لا يسألكم أجرًا وهم مهتدون. وما لِيَ لا أعبد الذي فطرني وإليه تُرجعون...} . وأصرّ في سعيه مع علمه بأن قومه يكذّبون ويهدِّدون الدعاة، فلم يثنِهِ ولم يضعفه لا التكذيبُ ولا التهديدُ في القيام بواجبه في الدعوة إلى الله سبحانه، ومع ذلك نراه يشفقُ عليهم في قوله: {يا قوم اتبعوا المرسلين} ، ويدعوهم إلى اتّباع المرسلين ولم يقل لهم: اتبعوني، فدعا إلى اتباع المرسلين الذين أظهروا لهم الأدلة وأوضحوا لهم السبيل. ولا شك أن الخطوة العملية التي صدرت منه تُعتبر مَعْلَمًا بارزًا من معالم الطريق إلى الله والدعوة إليه ـ سبحانه ـ حيث أَتْبَعَ القناعةَ النظرية بحركة عملية وهذا دليل على صدق وقوة فعالية إيمانه. وهذا الموقف الشجاع في تبليغ الدعوة رغم ما سيترتّب عليه من أذى يدلّ على أن الحياة مواقف وأن الرجال بمواقفهم لا بأعمارهم وأشكالهم. ونتساءل: متى يقف الدعاة مثل هذه المواقف في وجه الظالمين يعلنون فيها العبودية الكاملة لله والكفر بكل الطواغيت التي تعبد من دون الله؟. عجيبةٌ هي مواقفنا! ألسنا نعلم بأنّ مآلنا إلى الله سبحانه وأن بعد هذه الدنيا الفانية جنّةً ونارًا لا تفنيان؟ فلماذا نسعى للدنيا بكل طاقاتنا ولا نتطلّع للآخرة طالما اقتنعنا بأحقيّة الإسلام؟ ما الذي يمنعنا من ذلك الموقف؟ هل هو توقّع الخطر والأذى والتعذيب؟ ومتى كانت هذه الأمور تصرفُ عن الإيمان وتعيقُ عن الدعوة؟ فلنعلم أن الحياة لا يحلو طعمُها إلاّ بنصرة الحق وأهله. وبعد هذا الموقف ما جرى للرجل الذي دعا قومًا يهدِّدون المرسلين ويقولون: {لئن لم تنتهوا لنرجُمَنَّكُم وَلَيَمَسَّنَّكُمْ منّا عَذابٌ أليم} ؟ إنها نهاية متوقَّعة. ولكن ما جزاء هذا الرجل؟ وهل كان خاسرًا؟ وهل كان نادمًا لأنه ضحَّى بحياته في سبيل الله؟ كيف يخسر ويندم وقد قيل له ادخل الجنّة، أليست الجنّة هَدَفَنا وغايتَنا؟ لقد ربح نعيمًا دائمًا ولذّة متجددة مقابل حياته الفانية وعمره القصير، وذلك مِنّة من الله سبحانه. ومع ذلك وبعد تبشيره بهذا النعيم لم ينس قومه بل تغاضى عن تعذيب قومه له وكظم غيظه فأشفق عليهم وقال: {يا ليت قومي يعلمونَ بما غفر لي ربي وجعلني من المُكْرَمِين} . ومقابل هذا النعيم وهذه المغفرة والتكريم، ماذا كان جزاء المكذّبين بسبب تلك الجرائم؟ إنهم بعصيانهم وتكذيبهم استقدموا عذابَ الله وانتقامَه فجاءهم سريعًا بصيحة واحدة ولم يرسل الله عليهم ملائكة لإهلاكهم: {وما أنزلنا على قومه من بعده من جندٍ من السماء وما كنا منزلين، إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون} وموقفهم هذا يستحق حسْرةَ المتحسِّرين إذ تُتاح لهم فُرصُ النجاة فيعرضون عنها ولا يتدبَّرون مهالك الأقوام السابقين ولا يعتبرون مما جرى لهم، قال تعالى: {يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون} . وهكذا فإننا دومًا بين اختيارين: إمّا أن نتّبع المرسلين ونجهر بالحقّ وإمّا أن نتخاذل. فهنيئًا لمن يتبع المرسلين ويا حسرةً على الباقين. {فذكِّر بالقرآن من يخاف وعيد} .

والحمد لله ربّ العالمين. انتهى

قطوف تربوية حول قصة أصحاب القرية

دعامتا التغيير الحضاري ...

د. حمدي شعيب

وهي القصة التي وردت في سورة يس من الآية (13) إلى الآية (32) .

وهي تحكي قصة رسولين أرسلهما الحق ـ سبحانه ـ إلى إحدى القرى، فكذبهما أهل تلك القرية، فعززهما الله ـ سبحانه ـ برسول ثالث لتقويتهما؛ فما كان من أصحاب القرية إلا أن استمروا في رفض الرسالة، بل وهددوا الرسل الثلاثة بالرجم والتعذيب.

ثم كان هذا الموقف العظيم للرجل المؤمن الذي جاء من أقصى المدينة، أي من مكان ليس بالقريب، وكذلك كان يسعى، أي يسرع في مشيته، وهو ما يبين مدى الجهد الذي بذله للوصول إلى مسرح الأحداث، وهو المكان الذي كان يُبتلى فيه الرسل، وذلك في مبادرة منه لم يحدها مكان ولا زمان ولا وقت، بل سعى ووصل في الوقت والمكان المناسبين، وعرض رأيه في القضية، وانتصر لهؤلاء الرسل ضد رغبة قومه.

واستمر أهل القرية في رفض الرسالة، وكذبوا الرجل المؤمن، ثم أقدموا على قتله، فلقي الله ـ سبحانه ـ شهيدًا، وبشره الحق ـ سبحانه ـ بالجنة، فتمنى لو أن قومه يعلمون بمصيره وحسن عاقبته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت