قال ذلك كله، وأخذ من الحوار ما يناسب سياق السورة، وهذا لا يعد تناقضًا، بل قمة البلاغة.
والترتيب كما يلي:
لما وصل سيدنا موسى عليه السلام إلى ما ظن أنه مصدر النار،"نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ" [النمل: 8] عندها تعجَّب وبحث عن مصدر الصوت: فـ"نُودِيَ مِن شَاطِئِ الوَادِ الأيْمَنِ فِي البُقْعَةِ المُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ". [القصص: 30] وزيادة لتثبيته وتأكيد أن ما سمعه حق لا أوهام، كُرِّر النداء مرة أخرى.. فنودي مرة ثالثة:"إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ المُقَدَّسِ طُوًى وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي" [طه: 13] .
تكرار النداء إطناب مطلوب لتأكيد صحته، وإبعادًا لأي هاجس نفسي يشكك في مصدره، واسترعاءً لانتباهه فيكون في أقصى حالات الخشوع؛ لأهمية ما سيؤمَر به. فتكرر النداء تهيئة له ـ بنقله من جو (الخوف على أهله) إلى جو (سماع الوصايا الإلهية المباركة ووعيها) ـ وإزالةً للوحشة عنه، وزيادة في الأنس.
والإطناب في الكلام محمود في ذلك الموقف، وهو مطلوب بلاغةً؛ لإزالة الوَحشة. فسيدنا موسى عليه السلام سار مسافة في الليل، وترك أهله لوحدهم، ولم يعهد مثل ذاك الموقف عند الطور.. لأجل كل ذلك، الإكثار من الكلام المؤنِس مطلوب.
كقوله تعالى في سورة طه:"وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (17) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (18) "."يعني: أي شيء الذي بيدك ؟ أو ما الذي بيدك ؟ وكان عالمًا بما في يده، ولكن الحكمة في سؤاله؛ لإزالة الوحشة عن موسى، لأن موسى كان خائفًا مستوحشًا. كرجل دخل على ملك وهو خائف فسأله عن شيء، فتزول بعض الوحشة عنه بذلك، ويستأنس بسؤاله". انظر: بحر العلوم، السمرقندي 2/392.
الشبهة الخامسة:
وجود مواقف جديدة لم تحدث أصلًا في سياق القصة مثل قوله عن اليهود:
"وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ" (النساء 4: 157) . فمن المعروف عقلًا ومنطقًا أن اليهود لم يقولوا إن المسيح رسول الله، لأنهم لو اعتقدوا بذلك لما قتلوه ولما صلبوه!
الجواب:
جملة:"رَسُولَ اللَّهِ"جملة معترضة، ليست على لسان اليهود. ولهذا جاءت على النصب، على تقدير: أعني رسولَ الله. والحكمة منها أمران: الأول: تأكيد عدم ألوهيته، والثاني: التنبيه إلى أنهم قتلوا شبيه عيسى عليه السلام. أي هم قتلوا شبيه عيسى عليه السلام، ولكنهم في الحقيقة لم يقتلوا عيسى رسولَ الله.
الشبهة السادسة:
جاءت المادة التاريخية في القرآن لتكون في خدمة الدعوة الإسلامية، فلم تخضع
لمناهج البحث العلمية، إنما كانت مادة موجَّهة تسيطر عليها الأغراض الدينية،
فأصبحت مُجَسِّدةً لحياة محمد وأتباعه وقومه، لا لأحداث التاريخ الحقيقية. فسِيَر
الأنبياء المذكورين في القرآن ليست حتمًا هي أحداث حياتهم بقدر ما هي أحداث
الدعوة المحمدية!
الجواب:
أكثر قصص الأنبياء والدعاة في القرآن الكريم، تحوي مشاهد تتشابه مع قصص باقي الأنبياء والدعاة، والقصة القرآنية تنتقي المشاهد الملائمة لسياق الآيات الكريمة وشخصية السورة الكريمة المذكورة فيها، دليلًا عمليًا صادقًا ومثالًا حيًا على صحة ما فيها من تشريعات وأخلاق وسنن كونية وأساليب ناجحة في الخطاب الدعوي.
فتتحقق إحدى الأغراض الرئيسة للقصص القرآني وهي: تسلية النبي صلى الله عليه وسلم والدعاة المضطهدين من الطغاة، فهل يطلب مثيرو الشبهات أن يذكر الله جل جلاله قصص صبر أولي العزم من الرسل بعد الهجرة إلى المدينة، حيث المسلمين آمنين مطمئنين، فتحت لهم الدنيا ؟!
كل ذلك من محاسن القصص القرآني وصدقها، وحسن انتقاء ما يوافق من أحداثها لما يهم المسلم في كل عصر ومصر. ومن هنا نجد القرآن الكريم يقدم من خلال قصصه الحق، طرق معالجة مجرَّبة للواقعَ الذي كان يعيشه المسلمون في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فيذكر ما يتطابق من الأحداث مع هذا الواقع من ناحية، كما يعالج الواقع الذي تعيشه الأجيال والعصور الإنسانية المستقبلية من ناحية أُخرى.