فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وبهذا يشترط القرآن الكريم إسلامية العلم والمعرفة لصالح البشرية، لأن العلم بلا دين يؤدي إلى الإلحاد والغطرسة، كما في الحضارة الحديثة المعاصرة، وإلى الهلاك كما في الحرب العالمية الأولى والثانية، وقد يؤدي إلى الرخاء المادي مع الفراغ الروحي، والخوف من المخزون الضخم لأسلحة الدمار الشامل، وهذه الحضارة المزيفة اتخذت من العلم المادي إلهًا، ومن التكنولوجيا سلطانًا للسيطرة والتحكم واستعمار الآخرين والمساهمة في تخلفهم...
لهذا ينادي الإسلام بربط القرآن بالكون، أي: ربط الوحي بالوجود، والدين بالعلم، والغيب بالشهادة، كأساس لإسلامية العلم والمعرفة، ولا تعارض بين الدين والعلم في الإسلام، فلقد وردت كلمة ( العلم ) أكثر من ثمان مئة مرة بالقرآن الكريم، علاوة على مئات المرات لكلمات ( العقل ) و (الفكر ) و ( المعرفة ) وبهذا فعلمية القرآن ساطعة سطوع الشمس، وعندما تمسك المسلمون بدينهم قدموا للبشرية إسهامًا علميًا ملحوظًا في الطبيعة والرياضيات والفلك في العصور الوسطى باعتراف المنصفين من علماء الغرب، مثل برينولت الذي يقول في كتابه ( بناء الإنسانية makung of humanity) .
لا توجد ناحية من نواحي الازدهار الأوروبي في مطلع عصر النهضة إلا ويمكن إرجاع أصلها إلى المنهج العلمي التجريبي الذي نقله روجر بيكون من العرب أثناء وجودهم في إسبانيا ( 800 ـ 1200م ) .
وللأسف يتجاهل الغرب هذه الحقيقة بل ويتهم دين الإسلام بأنه سبب التخلف الحالي للمسلمين، ناسيًا أن هذا التخلف ناتج من خضوع المسلمين لاستعمار التتار والمغول والصليبيين قديمًا، واستعمار الغرب والصهيونية حديثًا، وسيطرة هذا النفوذ الأجنبي على عقول المسلمين، فأصبحوا للأسف تابعين لغيرهم، وأهملوا دينهم، وقلدوا الغرب وانبهروا بحضارته الحديثة دون أن يشاركوا في صنعها أو توجيهها، ونسوا قول الله تعالى: )ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك( [سورة المائدة: 49] .
وقوله تعالى: ) أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم( [سورة الجاثية: 23] .
وكان الواجب على المسلمين أن يتسلحوا بثقافتهم الإسلامية لإحيائها وتأصيلها وتجديدها وتعميمها لإعطاء منهج جديد لإسلامية العلم والمعرفة في مواجهة الإلحاد المادي المعاصر، والنظام العالمي الجائر، وخاصة بعد أن سقط القناع ذو الوجهين عن هذا النظام وعن كل شعاراته، وأتضح الزيف في تطبيقه للديمقراطية وحقوق الإنسان، وعلاوة على اعتراف بعض علماء القرن العشرين البارزين أمثال: أينشتين، وكريسي، وموريسون، وغيرهم بوجود الله وقدرته، وظهرت كتب كثيرة حول الدين والعلم في الغرب، ولهذا فقد حان الوقت لإظهار الوجه الحضاري للإسلام والمسلمين باتباع إسلامية المعرفة وبيان الإعجاز العلمي للقرآن والسنة.
ولقد واجه أجدادنا المسلمون في بدء ظهور الإسلام حضارتي الروم والفرس دون انصهارهم في إحداهما مدافعين عن ذاتيتهم، فالإسلام له أيدلوجية خاصة أساسها القرآن والسنة، وشعارها العلم والإيمان، كما سنوضح فيما يلي:
1ـ العلم بلا دين ـ أو الدين بلا علم ـ مرفوض في الإسلام،ولا بد من الجمع بينهما، كما في قوله تعالى:
)ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون( [سورة الأعراف: 52] .
)وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فتخبت له قلوبهم وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم( [سورة الحج: 54] .
)بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم( [سورة العنكبوت: 49] .
)شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائمًا بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم( [سورة آل عمران: 18] .
2ـ دعا الإسلام إلى طلب العلم النافع والمعرفة كما في قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ:
·"من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له طريقًا إلى الجنة".
والعلم هنا هو العلم النافع المرتبط بالإيمان؛ حتى لا يتحول العلماء إلى جبابرة كما في قول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ:
·"اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لا يَنْفَعُ".
3ـ الإسلام يرفع من شأن العلماء، كما في قوله تعالى:
)قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون( [سورة الزمر: 9] .
)يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات( [سورة المجادلة: 11] .
وقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ:
·"العلماء ورثة الأنبياء".
5ـ العلم في الإسلام يشمل علوم الدين والدنيا، ولقد أشار القرآن الكريم للعلوم الكونية في أكثر من سبع مئة آية.
والعلماء هنا دعاة لإسلامية المعرفة، وليس الجبابرة الذين يتيهون صلفًا وغرورًا، ويقولون كما قال قارون:
)إنما أوتيته على علم عندي( [سورة القصص: 78] .
ثانيًا: المنهج القرآني لبحث وتحصيل العلم والمعرفة:
1ـ العلم في القرآن الكريم هو الحق اليقيني الثابت بالبرهان القاطع، كما في قوله تعالى في تعميم شامل لكل المعارف:
)قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ( [سورة البقرة: 111] .