فهرس الكتاب

الصفحة 153 من 4557

هذه هي صورة قوية رائعة جديدة في نوعها من حيث حقيقتها ، ومن حيث صورها وظلالها ومن حيث عباراتها وألفاظها . . جديدة جدة هذه العقيدة ، رائعة روعة هذه العقيدة ، قوية قوة هذه العقيدة . فيها مصداق قول الله العظيم: { وإنك لعلى خلق عظيم } . .

وصورة أخرى رواها كذلك ابن اسحق ، كانت في مساومة مباشرة من المشركين لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد إذ أعياهم أمره ، ووثبت كل قبيلة على من أسلم منها تعذبه وتفتنه عن دينه .

قال ابن إسحق: وحدثني يزيد بن زياد ، عن محمد بن كعب القرظي ، قال: حدثت أن عتبة بن ربيعة وكان سيدًا ، قال يومًا وهو جالس في نادي قريش ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحده: » يا معشر قريش . ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورًا لعله يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء ويكف عنا؟ وذلك حين أسلم حمزة ، ورأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيدون ويكثرون . فقالوا: يا أبا الوليد قم إليه فكلمه . فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا بن أخي . إنك منا حيث علمت: من السطة في العشيرة والمكان في النسب ، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم ، فرقت به جماعتهم ، وسفهت به أحلامهم ، وعبت به آلهتهم ودينهم ، وكفرت به من مضى من آبائهم . فاسمع مني أعرض عليك أمورًا تنظر فيها ، لعلك تقبل منها بعضها . قال: فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم -: « قل يا أبا الوليد أسمع » . قال: يا بن أخي . إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا . وإن كنت إنما تريد به شرفًا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرًا دونك . وإن كنت تريد به ملكًا ملكناك علينا ، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيًا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه ، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوي منه! أو كما قال له حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستمع منه قال: « أقد فرغت يا أبا الوليد؟ » قال: نعم . قال: « فاستمع مني » . قال: أفعل . فقال: { بسم الله الرحمن الرحيم . حم . تنزيل من الرحمن الرحيم . كتاب فصلت آياته قرآنًا عربيًا لقوم يعلمون . بشيرًا ونذيرًا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون؟ وقالوا: قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه ، وفي آذاننا وقر ، ومن بيننا وبينك حجاب ، فاعمل إننا عاملون . قل: إنمآ أنا بشر مثلكم يوحى إليّ أنمآ إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين . . . } ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها يقرؤها عليه . فلما سمعها منه عتبة أنصت لها . وألقى يديه خلف ظهره معتمدًا عليها يسمع منه . ثم انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة منها فسجد . ثم قال . « قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت . فأنت وذاك » . . فقام عتبة إلى أصحابه ، فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به . فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أنني سمعت قولًا والله ما سمعت مثله قط ، والله ما هو بالشعر ، ولا بالسحر ، ولا بالكهانة ، يا معشر قريش أطيعوني ، واجعلوها بي ، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه ، فاعتزلوه ، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم . فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم . وإن يظهر على العرب فملكه ملككم ، وعزه عزكم ، وكنتم أسعد الناس به . قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه . قال: هذا رأيي فيه ، فاصنعوا ما بدا لكم . . «

وفي رواية أخرى أن عتبة استمع حتى جاء الرسول صلى الله عليه وسلم إلى قوله تعالى: { فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود } فقام مذعورًا فوضع يده على فم رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أنشدك الله والرحم يا محمد! وذلك مخافة أن يقع النذير . وقام إلى القوم فقال ما قال!

وعلى أية حال فهذه صورة أخرى من صور المساومة . وهي كذلك صورة من صور الخلق العظيم . تبدو في أدبه صلى الله عليه وسلم وهو يستمع إلى عتبة حتى يفرغ من قوله الفارغ الذي لا يستحق الانتباه من مثل محمد صلى الله عليه وسلم في تصوره لقيم هذا الكون ، وفي ميزانه للحق ولعرض هذه الأرض . ولكن خلقه يمسك به لا يقاطع ولا يتعجل ولا يغضب ولا يضجر ، حتى يفرغ الرجل من مقالته ، وهو مقبل عليه . ثم يقول في هدوء: « أقد فرغت يا أبا الوليد؟ » زيادة في الإملاء والتوكيد . إنها الطمأنينة الصادقة للحق مع الأدب الرفيع في الاستماع والحديث .

.وهما معًا بعض دلالة الخلق العظيم .

وصورة ثالثة للمساومة فيما رواه ابن اسحق قال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت