فهرس الكتاب

الصفحة 159 من 4557

ولكن النفس البشرية حين تستعلن فيها حقيقة الإيمان؛ تستعلي على قوة الأرض ، وتستهين ببأس الطغاة؛ وتنتصر فيها العقيدة على الحياة ، وتحتقر الفناء الزائل إلى جوار الخلود المقيم . إنها لا تقف لتسأل: ماذا ستأخذ وماذا ستدع؟ ماذا ستقبض وماذا ستدفع؟ ماذا ستخسر وماذا ستكسب؟ وماذا ستلقى في الطريق من صعاب وأشواك وتضحيات؟ . . لأن الأفق المشرق الوضيء أمامها هناك ، فهي لا تنظر إلى شيء في الطريق . .

{ قالوا: إنا إلى ربنا منقلبون . وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا ، ربنا أفرغ علينا صبرًا ، وتوفنا مسلمين } . .

إنه الإيمان الذي لا يفزع ولا يتزعزع . كما أنه لا يخضع أو يخنع . الإيمان الذي يطمئن إلى النهاية فيرضاها ، ويستيقن من الرجعة إلى ربه فيطمئن إلى جواره:

{ قالوا: إنا إلى ربنا منقلبون } . .

والذي يدرك طبيعة المعركة بينه وبين الطاغوت . . وأنها معركة العقيدة في الصميم . . لا يداهن ولا يناور . . ولا يرجو الصفح والعفو من عدو لن يقبل منه إلا ترك العقيدة ، لأنه إنما يحاربه ويطارده على العقيدة:

{ وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا } . .

والذي يعرف أين يتجه في المعركة ، وإلى من يتجه؛ لا يطلب من خصمه السلامة والعافية ، إنما يطلب من ربه الصبر على الفتنة والوفاة على الإسلام:

{ ربنا أفرغ علينا صبرًا وتوفنا مسلمين } . .

ويقف الطغيان عاجزًا أمام الإيمان ، وأمام الوعي ، وأمام الاطمئنان . . يقف الطغيان عاجزًا أمام القلوب التي خيل إليه أنه يملك الولاية عليها كما يملك الولاية على الرقاب! ويملك التصرف فيها كما يملك التصرف في الأجسام . فإذا هي مستعصية عليه ، لأنها من أمر الله ، لا يملك أمرها إلا الله . . وماذا يملك الطغيان إذا رغبت القلوب في جوار الله؟ وماذا يملك الجبروت إذا اعتصمت القلوب بالله؟ وماذا يملك السلطان إذا رغبت القلوب عما يملك السلطان!

إنه موقف من المواقف الحاسمة في تاريخ البشرية . هذا الذي كان بين فرعون وملئه ، والمؤمنين من السحرة . . السابقين . .

إنه موقف حاسم في تاريخ البشرية . بانتصار العقيدة على الحياة . وانتصار العزيمة على الألم . وانتصار « الإنسان » على « الشيطان » !

إنه موقف حاسم في تاريخ البشرية . بإعلان ميلاد الحرية الحقيقية . فما الحرية إلا الاستعلاء بالعقيدة على جبروت المتجبرين وطغيان الطغاة . والاستهانة بالقوة المادية التي تملك أن تتسلط على الأجسام والرقاب وتعجز عن استذلال القلوب والأرواح . ومتى عجزت القوة المادية عن استذلال القلوب فقد ولدت الحرية الحقيقية في هذه القلوب .

إنه موقف حاسم في تاريخ البشرية بإعلان إفلاس المادية! فهذه القلة التي كانت منذ لحظة تسأل فرعون الأجر على الفوز ، وتمنى بالقرب من السلطان . . هي ذاتها التي تستعلي على فرعون؛ وتستهين بالتهديد والوعيد ، وتُقبل صابرة محتسبة على التنكيل والتصليب . وما تغير في حياتها شيء ، ولا تغير من حولها شيء - في عالم المادة - إنما وقعت اللمسة الخفية التي تسلك الكوكب المفرد في الدورة الكبرى . وتجمع الذرة التائهة إلى المحور الثابت ، وتصل الفرد الفاني بقوة الأزل والأبد . . وقعت اللمسة التي تحوّل الإبرة ، فيلتقط القلب إيقاعات القدرة ، ويتسمع الضمير أصداء الهداية ، وتتلقى البصيرة إشراقات النور . . وقعت اللمسة التي لا تنتظر أي تغيير في الواقع المادي؛ ولكنها هي تغير الواقع المادي؛ وترفع « الإنسان » في عالم الواقع إلى الآفاق التي لم يكن يطمح إليها الخيال!

ويذهب التهديد . . ويتلاشى الوعيد . . ويمضي الإيمان في طريقه . لا يتلفت ، ولا يتردد ، ولا يحيد!

ينبغي أن نقف وقفة قصيرة أمام هذا المشهد الباهر الأخاذ . . .

* نقف ابتداء أمام إدراك فرعون وملئه أن إيمان السحرة برب العالمين ، رب موسى وهارون ، يمثل خطرًا على نظام ملكهم وحكمهم؛ لتعارض القاعدة التي يقوم عليها هذا الإيمان ، مع القاعدة التي يقوم عليها ذلك السلطان . . وقد عرضنا لهذا الأمر من قبل . . ونريد أن نقرر هذه الحقيقة ونؤكدها . . إنه لا يجتمع في قلب واحد ، ولا في بلد واحد ، ولا في نظام حكم واحد ، أن يكون الله رب العالمين ، وأن يكون السلطان في حياة الناس لعبد من العبيد ، يباشره بتشريع من عنده وقوانين . . فهذا دين وذلك دين . .

* ونقف بعد ذلك أمام إدراك السحرة - بعد أن أشرق نور الإيمان في قلوبهم ، وجعل لهم فرقانًا في تصورهم - أن المعركة بينهم وبين فرعون وملئه هي معركة العقيدة؛ وأنه لا ينقم منهم إلا إيمانهم برب العالمين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت