فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ويقول ابن خالويه في بيان منهجه في كتابه: (( فإني تدبرت قراءة الأئمة السبعة، من أهل الأمصار الخمسة، المعروفين بصحة النقل وإتقان الحفظ، المأمونين على تأدية الرواية واللفظ ) )ابن خالويه ، الحجة في القراءات السبع ص61.
وهكذا ترى جميع أهل العلم يقرون بأن نقل القرآن هو في الأصل سماعي لا كتابي:
يقول ابن الجزري: (( ثم إن الاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور، لا على خط الْمصاحف والكتب، وهذه أشرف خصيصة من الله تعالى لِهَذِهِ الأمة ) )النشر في القراءات العشر لابن الجزري 1/6.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه: (( والاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب لا على المصاحف؛ كما في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال:(إِنَّ ربى قال لي أَن قم في قريش فأنذرهم فقلت: أي رب إذًا يثلغوا رأسي - أي يشدخوا- فقال: إني مبتليك ومبتل بك ومنزل عليك كتابا لا يغسله الماء تقرؤه نائما ويقظانًا فابعث جندا أبعث مثليهم وقاتل بمن أطاعك من عصاك وأَنْفق أُنْفِق عليك) ؛ فأخبر أن كتابه لا يحتاج في حفظه إلى صحيفة تغسل بالماء بل يقرؤه في كل حال، كما جاء في نَعْتِ أُمَّتِه: (أناجيلهم في صدروهم) ، بخلاف أهل الكتاب الذين لا يحفظونه إلا في الكتب ولا يقرأونه كله إلا نظرًا لا عن ظهر قلب ))مجموع الفتاوى لابن تيمية 13/400.
وفي تفسير الآلوسي: (( المرعى فيه السماع من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ) )روح المعاني للآلوسي 1/21.
ويقول الزرقاني: (( وقد قلنا غير مرة: إن المعول عليه وقتئذٍ كان هو الحفظ والاستظهار، وإنما اعتمد على الكتابة كمصدر من المصادر زيادة في الاحتياط ومبالغة في الدقة والحذر ) )مناهل العرفان 1/177.
وانظروا ما رواه لنا ابنُ مجاهد في (( كتاب السبعة في القراءات ) )ص51 (وسأختصر الأسانيد هنا) :
ـ عن محمد بن المنكدر قال: (( قراءة القرآن سنة يأخذها الآخر عن الأول ) )قال: وسمعت أيضا بعض أشياخنا يقول عن عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز مثل ذلك.
ـ وعامر الشعبي قال: (( القراءة سنة فاقرءوا كما قرأ أولوكم ) ).
ـ وعن صفوان بن عمرو وغيره قالوا: سمعنا أشياخنا يقولون: (( إن قراءة القرآن سنة يأخذها الآخر عن الأول ) ).
ـ وعن عروة بن الزبير قال: (( إنما قراءة القرآن سنة من السنن فاقرءوه كما عُلِّمتموه ) ).
وفي لفظٍ عن عروة بن الزبير قال: (( إنما قراءة القرآن سنة من السنن فاقرءوه كما أُقْرئتموه ) ).
ـ وعن زيد بن ثابت قال: (( قراءة القرآن سنة ) ).
وغير هذا كثير في كلام الصحابة والتابعين وأهل العلم .
وبناء على ما سبق ، فقد أَرَسَلَها أئمتُنا الكرام رضي الله عنهم قاعدةً أصيلةً حَمَلَتْها الركبان إلى جميع الأقطار ؛ لتقول لهم: (( لا تأخذوا القرآن مِنْ مُصْحَفِيٍّ، ولا الحديث عن صُحُفِيٍّ ) ).. فقطع أئمتُنا بذلك كل طُرق الاعتماد في نقل القرآن على الكتابة والمصاحف، وتركوا الباب مفتوحًا أمام السماع والأسانيد لا غير .
ـ فَعَن سليمان بن موسى أَنَّه قال: (( لا تأخذوا الحديثَ عن الصُّحُفيِّين، ولا تقرؤوا القرآنَ على الْمُصْحَفِيِّين ) )الجرح والتعديل لابن أبي حاتم 2/31 ، والمحدث الفاصل للرامهُرْمزي ص211 .
ـ وقال سعيد بن عبد العزيز: (( لا تأخذوا العلم عن صُحُفِيٍّ، ولا القرآن مِنْ مُصْحَفِيٍّ ) )الجرح والتعديل لابن أبي حاتم 2/31 .
ـ ويقول الوليد بن مسلم: (( لا تأخذوا العلم من الصُّحُفيِّين ولا تقرءوا القرآن على الْمُصَحَفِيِّين ؛ إلا مِمَّن سمعه مِن الرجال وقرأَ على الرجال ) )تاريخ دمشق لابن عساكر 63/292 ، وتهذيب الكمال للمزي (3/98 .
ـ ويقول السخاوي في (فتح المغيث) 2/262: (( والأخذ للأسماء والألفاظ من أفواههم - أي العلماء بذلك ، الضابطين له ممن أخذه أيضًا عمن تقدم من شيوخه وهلم جرَّا - لا من بطون الكتب والصُّحُف من غير تدريب المشايخ: أَدْفَع للتَّصحيف ، وأَسْلَم من التبديل والتحريف....
وقد روينا عن سليمان بن موسى أنه قال: كان يقال: لا تأخذوا القرآن من مصحفي ولا العلم من صحفي.
وقال ثور بن يزيد: لا يفتي الناس صحفي ولا يقرئهم مصحفي.
وقد استدل بعضهم بقول عمران -لما حَدَّث بحديثٍ عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال له بشير بن كعب: إن في الحكمة كذا-: أُحَدِّثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحدثني عن الصحف؟
وروينا في مسند الدارمي عن الأوزاعي أنه قال: ما زال هذا العلم في الرجال حتى وقع في الصحف فوقع عند غير أهله )) . أهـ
ـ ويقول الصنعاني في (توضيح الأفكار) 2/394: (( ويقال: لا تأخذ القرآن من مُصْحَفِيٍّ ولا العلم من صُحُفِيٍّ ) ).
نخلص من هذا بأن القرآن الكريم بجميع سوره وأياته متضمنًا المعوذتين قد بلغنا سماعًا من المشايخ القراء جيلًا بعد جيل ، وهؤلاء المشايخ يرجعون في النهاية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .. فهذا أكبر دليل على تواتر المعوذتين وكونهما جزءًا من القرآن الكريم .