فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
1-إنهم توهموا تناقضًا بين قوله تعالى: (يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون ) (12) . وبين قوله تعالى: (تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ) (13) . وفى عبارة شديدة الإيجاز نرد على هذه الشبهة الفرعية ، التى تصيدوها من اختلاف زمن العروج إلى السماء ، فهو في آية السجدة ألف سنة وهو في آية المعارج خمسون ألف سنة ، ومع هذا الفارق العظيم فإن الآيتين خاليتان من التناقض. ولماذا ؟ لأنهما عروجان لا عروج واحد ، وعارجان لا عارج واحد.
فالعارج في آية السجدة الأمر ، والعروج عروج الأمر ، والعارج في آية المعارج هم الملائكة والعروج هو عروج الملائكة.
اختلف العارج والعروج في الآيتين. فاختلف الزمن فيهما قصرًا أو طولًا. وشرط التناقض ـ لو كانوا يعلمون ـ هو اتحاد المقام.
2-وقالوا أيضًا: إن بين قوله تعالى: (ثلة من الأولين وقليل من الآخرين) (14) . وقوله تعالى: (ثلة من الأولين وثلة من الآخرين ) (15) تناقضا. وشاهد التناقض عندهم أن الله قال في الآية (13) (وقليل من الآخرين (وقال في الآية(40) (وثلة من الآخرين) إذ كيف قال أولًا: (ثلة من الأولين * وقليل من الآخرين) ثم قال ثانيًا (ثلة من الأولين * وثلة من الآخرين (ولو كان لديهم نية في الإنصاف ، ومعرفة الحق ناصعًا ونظروا في المقامين اللذين ورد فيهما هذا الاختلاف لوصلوا إلى الحق من أقصر طريق. ولكنهم يبحثون عن العيوب ولو كلفهم ذلك إلغاء عقولهم.
هذا الاختلاف سببه اختلاف مقام الكلام ؛ لأن الله عز وجل قسم الناس في سورة الواقعة ، يوم القيامة ثلاثة أقسام. فقال: (وكنتم أزواجًا ثلاثة) :
*السابقون السابقون. *وأصحاب الميمنة. * وأصحاب المشئمة.
ثم بين مصير كل قسم من هذه الأقسام فالسابقون السابقون لهم منزلة:"المقربون في جنات النعيم"
ثم بيَّن أن الذين يتبوأون هذه المنزلة فريقان:
كثيرون من السابقين الأولين ، وقليلون من الأجيال المتأخرين
وذلك لأن السابقين الأولين بلغوا درجات عالية من الإيمان وعمل الباقيات الصالحات. ولم يشاركهم من الأجيال المتأخرة عن زمنهم إلا قليل.
أما أصحاب اليمين أو الميمنة فبلاؤهم في الإسلام أدنى من بلاء السابقين الأولين. لذلك كانت درجاتهم في الجنة أدنى من درجات السابقين الأولين ويشاركهم في هذه المنزلة كثير من الأجيال اللاحقة بهم ؛ لأن فرصة العمل بما جعلهم أصحاب اليمين ، متاحة في كل زمان.
ويمكن أن نمثل للسابقين الأولين بأصحاب رسول الله (ولأصحاب اليمين) بالتابعين ، الذين أدركوا الصحابة ولم يدركوا صاحب الرسالة. واذا صح هذا التمثيل ، ولا أظنه إلا صحيحًا ، صح أن نقول:
إن قليلًا منا ، بل وقليل جدًا ، من يسير في حياته سيرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كثيرًا منا من يمكن أن يسير سيرة التابعين رضى الله عنهم.
وعلى هذا فلا تناقض أبدًا بين الآيتين:
(ثلة من الأولين * وقليل من الآخرين) .
و (ثلة من الأولين * وثلة من الآخرين) .
3-وقالوا أيضًا: إن في القرآن آية تنهى عن النفاق ، وآية أخرى تُكره الناس على النفاق أما الآية التى تنهى عن النفاق ـ عندهم ـ فهى قوله تعالى (: وبشر المنافقين بأن لهم عذابًا أليما) (16) .
وأما الآية التى تُكره الناس على النفاق ـ عندهم ـ فهى قوله تعالى: (وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أَنَّى يؤفكون ) (17) .
من المحال أن يفهم من له أدنى حظ من عقل أو تمييز أن في الآية الأولى نهيًا ، وأن في الآية الثانية إكراهًا ويبدو بكل وضوح أن مثيرى هذه الشبهات في أشد الحاجة إلى من يعلمهم القراءة والكتابة على منهج: وزن وخزن وزرع.
ويبدو بكل وضوح أنهم أعجميو اللسان ، لا يجيدون إلا الرطانة والتهتهة ؛ لأنهم جهلة باللغة العربية ، لغة التنزيل المعجز. ومع هذه المخازى يُنَصَّبُون أنفسهم لنقد القرآن ، الذى أعجز الإنس والجن.
لا نهى في الآية الأولى ، لأن النهى في لغة التنزيل له أسلوب لغوى معروف ، هو دخول"لا"الناهية على الفعل المضارع مثل: لا تفعل كذا.
ويقوم مقامه أسلوب آخر هو: إياك أن تفعل ، جامعًا بين التحذير والنهى ، ولا إكراه في الآية الثانية. وقد جهل هؤلاء الحقدة أن الإكراه من صفات الأفعال لا من صفات الأقوال أما كان الحرى بهم أن يستحيوا من ارتكاب هذه الحماقات الفاضحة.
إن الآية الأولى: (وبشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما) تحمل إنذارًا ووعيدًا. أما النهى فلا وجود له فيها والآية الثانية تسجل عن طريق"الخبر"انحراف اليهود والنصارى في العقيدة ، وكفرهم بعقيدة التوحيد ، وهى الأساس الذى قامت عليه رسالات الله عز وجل.
وليس في هذه الآية نفاق أصلًا ، ولكن فيها رمز إلى أن اليهود والنصارى حين نسبوا"الأبنية"لله لم يكونوا على ثقة بما يقولون ، ومع هذا فإنهم ظلوا في خداع أنفسهم.