3-أن قتل هذا الداعية نصر له ولمنهجه (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ) (3) [سورة التوبة: 52] . ولذلك، (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ) (4) [سورة يس، الآية: 26] . فتمنى أن يعلن عن فوزه وانتصاره، (يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ) (5) [سورة يس، الآيتان: 26، 27] .
4-وتتويجا لانتصارات هؤلاء الرسل وهذا الداعية، جاءت النهاية المحققة: (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ) (6) [سورة يس، الآيتان: 28، 29] .
إن الدعاة في أمس الحاجة إلى أن يقفوا مع قصة أصحاب القرية، ويتدبروا أبعادها ونهاياتها.
ثلاثة رسل، وداعية مخلص صادق لقرية واحدة، ومع ذلك فلم يؤمنوا، وعدم إيمانهم لم يفت في عضد هؤلاء الرسل، ولم يمنع هذا الداعية من قول كلمة الحق، دون استعجال أو تنازل أو يأس.
بل إن هذا الداعية، كما ورد عند الطبري، كان يقول أثناء قتل قومه له:"اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون"، بل إننا نلمس من قوله (يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ) (7) أنه لا يقول هذا تشفيا ولا من أجل إغاظتهم، ولكن من أجل هدايتهم، لأنهم إذا علموا أنه كان على الحق وقد قالوا للرسل: (وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ) (8) [سورة يس، الآية: 15] . كان أرجى لهدايتهم.
وهذا من حرصه على هداية قومه، وهكذا يكون الداعية، محبا لهداية الناس، لا يحمل الحقد ولا الضغينة، وهذا هو الانتصار على النفس الذي يسبق الانتصار الظاهر، ومن حرم الانتصار على نفسه، فلن ينتصرعلى غيره.
3-أصحاب الأخدود
قال الله - تعالى: (قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) (9) [سورة البروج، الآية: 4-8] .
قصة أصحاب الأخدود قصة عجيبة، تصور لنا معنى من معاني الانتصار الذي نتحدث عنه، وتبين أن استجابة الناس، أو ظهور الدين ليس هو المقياس الوحيد للانتصار، بل إن ثبات الداعية وانتصار المنهج هو قمة الانتصار.
ولأهمية هذه القصة، فسأذكرها بتمامها، كما أوردها العلامة ابن كثير -رحمه الله- حيث قال في تفسير هذه الآيات:
(1) - سورة يس آية: 20.
(2) - سورة يس آية: 17.
(3) - سورة التوبة آية: 52.
(4) - سورة يس آية: 26.
(5) - سورة يس آية: 26-27.
(6) - سورة يس آية: 28-29.
(7) - سورة يس آية: 26.
(8) - سورة يس آية: 15.
(9) - سورة البروج آية: 4-5-6-7-8.
قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم قال:"كان فيمن كان قبلكم ملك وكان له ساحر، فلما كبر الساحر قال للملك: إني قد كبر سني، وحضر أجلي، فادفع إلي غلاما لأعلمه السحر، فدفع إليه غلاما كان يعلمه السحر، وكان بين الساحر وبين الملك راهب، فأتى الغلام على الراهب فسمع من كلامه فأعجبه نحوه وكلامه، وكان إذا أتى الساحر ضربه وقال: ما حبسك؟ وإذا أتى أهله ضربوه، وقالوا: ما حبسك؟ فشكا ذلك إلى الراهب، فقال: إذا أراد الساحر أن يضربك فقل: حبسني أهلي، وإذا أراد أهلك أن يضربوك فقل: حبسني الساحر، فبينما هو ذات يوم إذ أتى على دابة فظيعة عظيمة قد حبست الناس فلا يستطيعون أن يجوزوا، فقال: اليوم أعلم أمر الراهب أحب إلى الله أم أمر الساحر، قال: فأخذ حجرا، فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك وأرضى من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يجوز الناس، ورماها فقتلها، ومضى الناس، فأخبر الراهب بذلك، فقال: أي بني أنت أفضل مني وإنك ستبتلى، فإن ابتليت فلا تدل علي."