الأَعْرَاف وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ، أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ المُبْطِلُونَ
ومن رحمة الله سبحانه وتعالى بالخلق ، ومن تمام علمه سبحانه بضعف البشر أمام أهوائهم وأمام استئثارهم بالمنافع ، وأرسل الرسل إلى البشر ليبشروا ولينذروا .
(( وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الكِتَابَ بِالحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ البَيِّنَاتُ ) )فكأن الله لم يشأ أن يترك البشر ليختلفوا ، وإنما الغفلة من الناس هي التي أوجدت هذا الاختلاف .
(( مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ البَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ) )ومن هذا القول الحكيم نعرف أن الاختلاف لا ينشأ إلا من إرادة البغي ، والبغي هو أن يريد الإنسان أن يأخذ غير حقه .
وما دام كل منا يريد أن يأخذ غير حقه فلا بد أن ينشأ البغض .
(( فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإِذْنِه ) )أي أن الله يهدي الذين آمنوا من كل قوم بالرسول الذي جاء مبشرًا ونذيرًا وحاملًا منهج ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه . وبذلك يظل المهج سائدًا إلى أن تمضي فترة طويلة تغفل فيها النفوس ، وتبدأ من خلالها المطامع ويحدث النسيان لمنهج الله ، وتنشأ الأهواء ، فيرسل الله الرسل ليعيدوا الناس إلى المنهج القويم ، واستمر هذا الأمر حتى جاءت رسالة الإسلام خاتمة وبعث الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم للدنيا كلفة ، وبذلك ضمن لنا الحق سبحانه وتعالى ألا ينشأ خلاف في الأصل ، لأننا لو كنا سنختلف في أصل العقيدة لجرى علينا ما جرى على الأمم السابقة .
هم اختلفوا فأرسل الله لهم رسلًا مبشرين ومنذرين ، لكن أمة محمد صلى الله عليه وسلم أراد الحق لها منهجًا واضحًا يحميها من الاختلاف في أصل العقيدة . وإن اختلف الناس من أمة محمد صلى الله عليه وسلم فعليهم أن يسترشدوا بالمنهج الحق المتمثل في القرآن والسُنة .
فنحن نجد كل الاختلافات بين طوائف المسلمين لا تخرج عن إطار فهم نصوص القرآن أو أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكل مسلم يريد أن يستقي دليله من الكتاب السنة .... لهذا أي اختلاف لن يصل إلى الجوهر .... فلو علم الله أزلًا أننا سوف نختلف اختلافًا في صحيح العقيدة لكان قد أرسل لنا رسلًا .
والحمد لله على نعمة الإسلام
تفسير الألوسي - (ج 2 / ص 190)
{ كَانَ الناس أُمَّةً واحدة } متفقين على التوحيد مقرين بالعبودية حين أخذ الله تعالى عليهم العهد ، وهو المروي عن أبيّ بن كعب أو بين آدم وإدريس عليهما السلام بناءًا على ما في «روضة الأحباب» أن الناس في زمان آدم كانوا موحدين متمسكين بدينه بحيث يصافحون الملائكة إلا قليل من قابيل ومتابعيه إلى زمن رفع إدريس ، أو بين آدم ونوح عليهما السلام على ما روى البزار وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما/ أنه كان بينهما عشرة قرون على شريعة من الحق ، أو بعد الطوفان إذ لم يبق بعده سوى ثمانين رجلًا وامرأة ثم ماتوا إلا نوحًا وبنيه حام وسام ويافث وأزواجهم وكانوا كلهم على دين نوح عليه الصلاة والسلام فالاستغراق على الأول والأخير حقيقي ، وعلى الثاني والثالث ادعائي بجعل القليل في حكم العدم ، وقيل: متفقين على الجهالة والكفر بناءًا على ما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم كانوا كفارًا وذلك بعد رفع إدريس عليه الصلاة والسلام إلى أن بعث نوح ، أو بعد موت نوح عليه الصلاة والسلام إلى أن بعث هود عليه الصلاة والسلام .
{ فَبَعَثَ الله النبيين } أي فاختلفوا فبعث الخ وهي قراءة ابن مسعود رضي الله تعالى عنه ، وإنما حذف تعويلًا على ما يذكر عقبه . { مُبَشّرِينَ } من آمن بالثواب . { وَمُنذِرِينَ } من كفر بالعذاب وهم كثيرون ، فقد أخرج أحمد وابن حبان عن أبي ذر أنه سئل النبي صلى الله عليه وسلم كم الأنبياء؟ قال:"مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا قلت: يا رسول الله كم الرسل؟ قال: ثلثمائة وثلاثة عشر جم غفير"ولا يعارض هذا قوله تعالى { وَرُسُلًا قَدْ قصصناهم عَلَيْكَ } [ النساء: 164 ] الآية لما سيأتي إن شاء الله تعالى ، والجمعان منصوبان على الحال من ( النبيين ) ، والظاهر أنها حال مقدرة ، والقول بأنها حال مقارنة خلاف الظاهر .