فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ولكن إذا أخذت الحكم ، فخذ الحكم من كل جوانبه ، فلا تأخذ الحكم ، وبإباحة التعدد ثم تكف عن الحكم بالعدالة ، وإلا سينشأ الفساد في الأرض ، وأول هذا الفساد أن يتشكك الناس في حكم الله . لماذا ؟ لأنك إن أخذت التعدد ، وامتنعت عن العدالة فأنت تكون قد أخذت شقًا من الحكم ، ولم تأخذ الشق الآخر وهو العدل ، فالناس تجنح أمام التعدد وتبتعد وتميل عنه لماذا ؟ لأن الناس شقوا كثيرًا بالتعدد أخذًا لحكم الله في التعدد وتركًا لحكم الله في العدالة .
والمنهج الإلهي يجب أن يؤخذ كله ، فلماذا تكره الزوجة التعدد ؟ لأنها وجدت أن الزوج إذا ما تزوج واحدة عليها ألتفت بكليته وبخيره وببسمته وحنانه إلى الزوجة الجديدة ، لذلك فلابد مرأة أن تكره زواج الرجل عليها بامرأة أخرى .
إن الذين يأخذون حكم الله في إباحة التعدد يجب أن يلزموا أنفسهم بحكم الله أيضًا في العدالة ، فإن لم يفعلوا فهم يسيعون التمرد على حكم الله ، وسيجد الناس حيثيات لهذا الترد ، وسيقال: انظر ، إن فلان تزوج بأخرى وأهمل الأولى ، أو ترك أولاده دون رعاية واتجه إلى الزوجة الجديدة .
فكيف تأخذ إباحة الله في شيء ولا تأخذ إلزامه في شيء آخر ، إن من يفعل ذلك يشكك الناس في حكم الله ، ويجعل الناس تتمرد على حكم الله ـ والسطحيون في الفهم يقولون: إنهم معذورون وهذا منطق لا يتأتى .
إن آفة الأحكام أن تؤخذ حكم جزئي دون مراعاة الظروف كلها ، والذي يأخذ حكمًا عن الله لابد أن يأخذ كل منهج الله عن الله تعالى
هات إنسانًا عدل في العِشْرة وفي النفقة وفي البيتوتة وفي مكان الزمان ولم يرجح واحدة على أخرى ، فالزوجة الأولى إن فعلت شيئًا فهي لن تجد حيثية لها أمام الناس . أما عندما يكون الأمر غير ذلك فإنها سوف تجد الحيثية للأعتراض ، والصراخ الذي نسمعه هذه الأيام إنما نشأ من أن بعضًا قد أخذ حكم الله في إباحة التعدد ولم يأخذ حكم الله في عدالة التعدد . والعدالة تكون في المور التي للرجل فيها خيار . أما الأمور التي لا خيار للرجل فيها فلم يطالبه الله بها
ومن السطحيين من يقول: إن الله قال: اعدلوا ، ثم حكم أننا لا نستطيع أن نعدل .
نقول لهم: بالله أهذا تشريع ؟ ، أيعطي الله باليمين ويسحب بالشمال ؟ ألم يشرع الحق على عدم الاستطاعة فقال:
{وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا}
ومادام قد شرع على عدم الاستطاعة في العدل المطلق فهو قد أبقى الحكم ولم يلغه ، وعلى المؤمن ألا يجعل منهج الله له في حركة حياته عضين بمعنى أنه يأخذ حكمًا في صالحه ويترك حكمًا إن كان عليه .
فالمنهج من الله يؤخذ جملة واحدة من كل الناس ، لأن أي انحراف في فرد من أفراد الأمة الإسلامية يصيب المجموع بضرر . فكل حق لك هو واجب عند غيرك ، فإن أردت أن تأخذ حقك فأدّ واجبك .
والذين يأخذون حكم الله في إباحة التعدد يجب أن يأخذوا حكم الله أيضًا في العدل ، وإلا أعطوا خصوم دين الله حججا قوية في إبطال شرع الله ، وتغيير ما شرع الله بحجة ما يرونه من آثار أخذ حكم وإهمال حكم آخر .
والعدل المراد في التعدد هو القسمة بالسوية في المكان ، أي أن لكل واحدة من تالمتعددات مكانًا يساوي مكان الأخرين ، وفي الزمان ، وفي متاع المكان ، وفيما يخص الرجل من متاع نفسه ، فليس له أن يجعل شيئًا له قيمة عند واحدة ، وشيئًا لا قيمة له عند واحدة أخرى ، يأتي مثلا بيجامة (( منامه ) )صُوف ويضعها عند واحدة ، ويأتي بأخرى من قماش أقل جودة ويضعها عن واحدة ، لا
لابد من المساواة ، لا في متاعها فقط ، بل متاعك أنت الذي تتمتع به عندها ، حتى أن بعض المسلمين الأوائل كان يساوي بينهن في النعال التي يلبسها في بيته ، فيأتي بها من لون واحد وشسكل واحد وصنف واحد ، وذلك حتى لا تَدِلُّ واحدة منهن على الأخرى قائلة: إن زوجي يكون عندي أحسن هندامًا منه عندك .
والعدالة المطلوبة ـ أيضًا ـ هي العدالة فيما يدخل في اختيارك ، لأن العدالة التي تدخل في اختيارك لا يكلف الله بها ، فأنت عدلت في المكان ، وفي الزمان ، وفي المتاع لكل واحدة ، وفي المتاع لك عند كل واحدة ، ولكن لا يطلب الله منك أن تعدل بميل قلبك وحب نفسك ؛ لأن ذلك ليس في مكنتك .
والرسول صلى الله عليه وسلم يعطينا هنا القول: عن عائشة رضى الله عنها قالت: { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم ويعد ويقول: ( اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك ) يعني القلب } رواه الإمام احمد وأبو داود والدارمي .
إذن فهذا معنى قول الحق: { وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ ... النساء129}