فهرس الكتاب

الصفحة 1837 من 4557

هناك نوعان من الاختلاف بين الآيتين - وإن كان موضوعهما واحدا - فالآية الأولى خطاب من الله تبارك وتعالى إلى بنى إسرائيل يذكرهم بنعمه عليهم، ويمن عليهم بأنه نجاهم من آل فرعون الذين يسومونهم سوء العذاب، والثانية خطاب من موسى عليه السلام إلى قومه يذكرهم بنعم الله عليهم، ويذكرهم بالذات بتلك النعمة الكبرى، وهى تنجيتهم من آل فرعون الذين يسومونهم سوء العذاب، بالإضافة إلى التغيير في صيغة الفعل: نجيناكم وأنجاكم، أحدهما متعد بالتضعييف والآخر متعد بالهمزة، وأحدهما بضمير المتكلم والثانى بضمير الغائب .

ولكن انظر إلى الجزء الخاص بالعذاب الذى كان يوقعه آل فرعون ببنى إسرائيل. إن فيه اختلافا بين الآيتين يحدث تغييرا في الصورة:

(( يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم ) )

(( يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم ) )

إن الفارق بين العبارتين حرف واحد، هو الواو التى جاءت في الآية الثانية قبل كلمة (( يذبحون ) )، ولكن انظر كم أحدث الحرف الواحد من الاختلاف بين الصورتين!

فى الصورة الأولى ينحصر العذاب في قتل الأولاد واستحياء النساء، وفى الثانية يصبح هذا الأمر واحدا فقط من ألوان العذاب التى تصب على بنى إسرائيل، وإن كان السياق يوحى بأنه من أبرزها، وأشدها وأخبثها. إذ أجمل (( سوء العذاب ) )وفصل (( قتل الأولاد واستحياء النساء ) )0

ذلك مجرد نموذج ينفى خاطر (( التكرار ) )الذى يتوهمه قارئ القرآن لأول وهلة، ويبرز بدلا منه ظاهرة (( التشابه ) )التى تؤدى إلى التنويع، والتى تشبه ثمار الجنة الموصوفة في القرآن الكريم0

و للحديث بقية ...

باسم الله نتابع:

فإذا تدبرنا مجالين بالذات يوهمان بالتكرار للوهلة الأولى، بينما حقيقتهما التشابه وليس التكرار، فذانك هما قصص الأنبياء مع أقوامهم، وصور النعيم والعذاب في اليوم الآخر، وهما من أكثر الموضوعات ورودا في القرآن الكريم، ولكن بشكل مختلف في كل مرة، وذلك - في ذاته - كما أشرنا من قبل لون من الإعجاز، لا يرد بهذه الصورة في كلام البشر المحدودى القدرة في مجال التعبير .

خذ هذا النموذج من قصة نوح في ثلاث سور من سور القرآن .

-من سورة هود:

(( ولقد أرسلنا نوحًا إلى قومه إنى لكم نذير مبين(25) أن لا تعبدوا إلا الله إنى أخاف عليكم عذاب يوم أليم (26) فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادى الرأى وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين (27) قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربى وآتانى رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون (28) ويا قوم لا أسألكم عليه ما لا إن أجرى إلا على الله وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ربهم ولكنى أراكم قوما تجهلون (29) ويا قوم من ينصرنى من الله إن طردتهم أفلا تذكرون (30) ولا أقول لكم عندى خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إنى ملك ولا أقول للذين تزدرى أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم إنى إذا لمن الظالمين (31) قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين (32) قال إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين (33) ولا ينفعكم نصحى إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وغليه ترجعون (34) أم يقولون افتراه قل إن افتريته فعلى إجرامى وأنا برئ مما تجرمون (35) وأوحى إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون (36) واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبنى في الذين ظلموا إنهم مغرقون (37) ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون (38) فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم (39) حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل (40) وقال اركبوا فيها بسم الله مجريها ومرساها إن ربى لغفور رحيم (41) وهى تجرى بهم في موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بنى اركب معنا ولا تكن مع الكافرين (42) قال سآوى إلى جبل يعصمنى من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين (43) وقيل يا أرض ابلعى ماءك ويا سماء أقلعى وغيض الماء وقضى الأمر واستوت على الجودى وقيل بعدا للقوم الظالمين ))

-ومن سورة الأعراف:

(( لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إنى أخاف عليكم عذاب يوم عظيم(59) قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين (60) قال يا قوم ليس بى ضلالة ولكنى رسول من رب العالمين) (61) أبلغكم رسالات ربى وأنصح لكم وأعلم من الله مالا تعلمون (62) أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون (63) فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوما عمين )).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت