فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المسألة الأولى: في هذه الآية قولان: الأول: يتخذ منكم شهداء على الناس بما صدر منهم من الذنوب والمعاصي، فإن كونهم شهداء على الناس منصب عال ودرجة عالية. والثاني: المراد منه وليكرم قومًا بالشهادة، وذلك لأن قوما من المسلمين فاتهم يوم بدر، وكانوا يتمنون لقاء العدو وأن يكون لهم يوم كيوم بدر يقاتلون فيه العدو ويلتمسون فيه الشهادة، وأيضا القرآن مملوء من تعظيم حال الشهداء قال تعالى:
{ وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ } [آل عمران: 169]
وقال: { وَجِىء بِالنَّبِيّيْنَ وَالشُّهَدَاء } [الزمر: 69]
وقال: { فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مّنَ النَّبِيّينَ وَالصّدّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّلِحِينَ } [النساء: 69]
فكانت هذه المنزلة هي المنزلة الثالثة للنبوة، وإذا كان كذلك فكان من جملة الفوائد المطلوبة من تلك المداولة حصول هذا المنصب العظيم لبعض المؤمنين.
المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن جميع الحوادث بارادة الله تعالى فقالوا: منصب الشهادة على ما ذكرتم، فان كان يمكن تحصيلها بدون تسليط الكفار على المؤمنين لم يبق لحسن التعليل وجه، وإن كان لا يمكن فحينئذ يكون قتل الكفار للمؤمنين من لوازم تلك الشهادة، فاذا كان تحصيل تلك الشهادة للعبد مطلوبًا لله تعالى وجب أن يكون ذلك القتل مطلوبًا لله تعالى، وأيضًا فقوله: { وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء } تنصيص على أن ما به حصلت تلك الشهادة هو من الله تعالى، وذلك يدل على أن فعل العبد خلق الله تعالى.
المسألة الثالثة: الشهداء جمع شهيد كالكرماء والظرفاء، والمقتول من المسلمين بسيف الكفار شهيدًا، وفي تعليل هذا الاسم وجوه: الأول: قال النضر بن شميل: الشهداء أحياء لقوله:
{ بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ } [آل عمران: 169]
فأرواحهم حية وقد حضرت دار السلام، وأرواح غيرهم لا تشهدها، الثاني: قال ابن الانباري: لأن الله تعالى وملائكته شهدوا له بالجنة، فالشهيد فعيل بمعنى مفعول، الثالث: سموا شهداء لأنهم يشهدون يوم القيامة مع الأنبياء والصديقين، كما قال تعالى:
{ لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ } [البقرة: 143]
الرابع: سموا شهداء لأنهم كما قتلوا أدخلوا الجنة، بدليل أن الكفار كما ماتوا أدخلوا النار بدليل قوله:
{ أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَارًا } [نوح: 25]
فكذا ههنا يجب أن يقال: هؤلاء الذين قتلوا في سبيل الله، كما ماتوا دخلوا الجنة.
وأما ما جاء عن اسباب النزول للسيوطي نجد:
وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس { وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء } قال: إن المسلمين كانوا يسألون ربهم اللهم: ربنا أرنا يومًا كيوم بدر، نقاتل فيه المشركين، ونبليك فيه خيرًا، ونلتمس فيه الشهادة.
فلقوا المشركين يوم أحد، فاتخذ منهم شهداء.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الضحاك في الآية قال: كان المسلمون يسألون ربهم أن يريهم يومًا كيوم بدر. يبلون فيه خيرًا، ويرزقون فيه الشهادة، ويرزقون الجنة والحياة والرزق. فلقوا يوم أحد، فاتخذ الله منهم شهداء، وهم الذين ذكرهم الله تعالى فقال
{ ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أمواتًا } [البقرة: 154] الآية.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة { وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء } قال: يكرم الله أولياءه بالشهادة بأيدي عدوهم، ثم تصير حواصل الأمور وعواقبها لأهل طاعة الله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عبيدة { وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء } يقول: أن لا تقتلوا لا تكونوا شهداء.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي الضحى قال: نزلت { ويتخذ منكم شهداء } فقتل منهم يومئذ سبعون، منهم أربعة من المهاجرين: منهم حمزة بن عبد المطلب، ومصعب بن عمير أخو بني عبد الدار، والشماس بن عثمان المخزومي، وعبد الله بن جحش الأسدي، وسائرهم من الأنصار.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: لما أبطأ على النساء الخبر خرجن يستخبرن فإذا رجلان مقتولان على دابة أو على بعير فقالت امرأة من الأنصار: من هذان؟ قالوا: فلان وفلان. أخوها وزوجها. أو زوجها وابنها، فقالت: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: حي... قالت: فلا أبالي يتخذ الله من عباده الشهداء. ونزل القرآن على ما قالت { ويتخذ منكم شهداء } .
ولقول: فأخذ محمد عبارتها وقال إنها وحي. فلم يقتصر على إيراد أقوال عمر في القرآن، بل أخذ أيضًا أقوال النساء
فلو نظرنا إلى سورة الكافرون نجد أسباب النزول هي: