جاءت امرأة إلى محمد تستعدي على زوجها أنه لطمها، فقال: القصاص، فأنزل الله الرجال قوَّامون على النساء (الآية) ، فرجعت بغير قصاص.
وأخرج ابن جرير من طُرُقٍ عن الحسن، وفي بعضها أن رجلًا من الأنصار لطم امرأته فجاءت تلتمس القصاص، فجعل محمد بينهما القصاص، فنزلت فتعالى اللهُ الملكُ الحقُّ، ولا تَعْجَلْ بالقرآنِ من قبل أن يُقضَى إليك وحيُه، وقُلْ ربِّ زِدْني عِلمًا .وأخرج نحوه عن ابن جريج والسدي.
وأخرج ابن مردويه عن علي قال: أتى محمدًا رجلٌ من الأنصار بامرأة له، فقالت: يارسول الله، إنه ضربني فأثّر في وجهي، فقال محمد ليس له ذلك. فأنزل الله الرجال قوَّامون على النساء (الآية) .
فرض المنطق السليم على محمد أن يعاقب الرجل الذي اعتدى على زوجته. ولكن رغبته في إرضاء رجاله جعله يعكس المنطق السليم، معتمدًا على ما جاءه من وحي .
اعلم أنه تعالى قال: { وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ } [النساء: 32]
وقد ذكرنا أن سبب نزول هذه الآية أن النساء تكلمن في تفضيل الله الرجال عليهن في الميراث، فذكر تعالى في هذه الآية أنه إنما فضل الرجال على النساء في الميراث، لأن الرجال قوامون على النساء، فإنهما وإن اشتركا في استمتاع كل واحد منهما بالآخر، أمر الله الرجال أن يدفعوا إليهن المهر، ويدروا عليهن النفقة فصارت الزيادة من أحد الجانبين مقابلة بالزيادة من الجانب الآخر، فكأنه لا فضل ألبتة، فهذا هو بيان كيفية النظم. وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى: القوام؛ اسم لمن يكون مبالغا في القيام بالأمر، يقال: هذا قيم المرأة وقوامها للذي يقوم بأمرها ويهتم بحفظها. قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في بنت محمد بن سلمة وزوجها سعد بن الربيع أحد نقباء الأنصار، فإنه لطمها لطمة فنشزت عن فراشه وذهبت إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وذكرت هذه الشكاية، وأنه لطمها وأن أثر اللطمة باق في وجهها، فقال عليه الصلاة والسلام:"اقتصي منه ثم قال لها اصبري حتى أنظر"فنزلت هذه الآية: { الرّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النّسَاء } أي مسلطون على أدبهن والأخذ فوق أيديهن، فكأنه تعالى جعله أميرا عليها ونافذ الحكم في حقها، فلما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم:"أردنا أمرًا وأراد الله أمرا والذي أراد الله خير"ورفع القصاص، ثم انه تعالى لما أثبت للرجال سلطنة على النساء ونفاذ أمر عليهن بين أن ذلك معلل بأمرين، أحدهما: قوله تعالى:
{ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ } [النساء: 34] .
واعلم أن فضل الرجل على النساء حاصل من وجوه كثيرة، بعضها صفات حقيقية، وبعضها أحكام شرعية، أما الصفات الحقيقية فاعلم أن الفضائل الحقيقية يرجع حاصلها الى أمرين:
1)إلى العلم
2)إلى القدرة
ولا شك أن عقول الرجال وعلومهم أكثر، ولا شك أن قدرتهم على الأعمال الشاقة أكمل، فلهذين السببين حصلت الفضيلة للرجال على النساء في العقل والحزم والقوة، والكتابة في الغالب والفروسية والرمي، وأن منهم الأنبياء والعلماء، وفيهم الإمامة الكبرى والصغرى والجهاد والأذان والخطبة والاعتكاف والشهادة في الحدود والقصاص بالاتفاق، وفي الأنكحة عند الشافعي رضي الله عنه، وزيادة النصيب في الميراث والتعصيب في الميراث، وفي تحمل الدية في القتل والخطأ، وفي القسامة والولاية في النكاح والطلاق والرجعة وعدد الأزواج، وإليهم الانتساب، فكل ذلك يدل على فضل الرجال على النساء.
والسبب الثاني: لحصول هذه الفضيلة: قوله تعالى: { وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْولِهِمْ } يعني الرجل أفضل من المرأة لأنه يعطيها المهر وينفق عليها، ثم إنه تعالى قسم النساء قسمين، فوصف الصالحات منهن بأنهن قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله، وفيه مسائل:
المسألة الأولى: قال صاحب «الكشاف» : قرأ ابن مسعود (فالصالحات قوانت حوافظ للغيب) . المسألة الثانية: قوله: { قَنِتَتٌ حَفِظَتٌ لّلْغَيْبِ } فيه وجهان: الأول: قانتات، أي مطيعات لله، { حَفِظَاتٌ لّلْغَيْبِ } أي قائمات بحقوق الزوج، وقدم قضاء حق الله ثم أتبع ذلك بقضاء حق الزوج. الثاني: أن حال المرأة إما أن يعتبر عند حضور الزوج أو عند غيبته، أما حالها عند حضور الزوج فقد وصفها الله بأنها قانتة، وأصل القنوت دوام الطاعة، فالمعنى أنهن قيمات بحقوق أزواجهن، وظاهر هذا إخبار، إلا أن المراد منه الأمر بالطاعة.