وقال أهل السيرة: آزر هو اسمٌ كان ينادي به إبراهيم أباه، بمعنى يا شيخ أو يا مخرِّف. وإن اسم أبي إبراهيم هو تارح. وقالوا إنه كان له اسمان، وغير ذلك كثير (قصص الأنبياء عبد الوهاب النجار فصل قصة إبراهيم) .
ولا يُفهم من التوراة أن إبراهيم كان يعبد الأصنام، بل العكس. والدليل على ذلك قول التكوين 11: 31: ; وَأَخَذَ تَارَحُ أَبْرَامَ ابْنَهُ، وَلُوطًا بْنَ هَارَانَ ابْنَ ابْنِهِ، وَسَارَايَ كَنَّتَهُ امْرَأَةَ أَبْرَامَ ابْنِهِ، فَخَرَجُوا مَعًا مِنْ أُورِ الْكِلْدَانِيِّينَ لِيَذْهَبُوا إِلَى أَرْضِ كَنْعَانَ. فَأَتُوا إِلَى حَارَانَ وَأَقَامُوا هُنَاكَ"والظاهر أنهم هاجروا من وطنهم لأنهم تضايقوا من تمادي قومهم على عبادة الأصنام واقتراف الرذائل، فلو لم يكن تارح رجلًا تقيًا يخاف الله لما ترك وطنه وهو عزيز عنده. ولو لم يكن تارح تقيًا لما أطاع الأمر الإلهي. فطاعته من أقوى الأدلة على معرفته بالإله الحي الحقيقي"
نبي الله إبراهيم عليه السلام ولد يتيمًا مات أبوه تارخ وهو في بطن أمه، ثم عاش في بيت عمه آزر وهو المشار إليه في الآية الكريمة ? وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ ?
ولأن عمه آزر قد ربّاه أطلق عليه أنه أبوه، وإلاّ فهو عمه، حيث لا يكون المشرك عابد الصنم أبًا للنبي .
يقول الآلوسي:(والذي عوّل عليه الجم الغفير أن آزر لم يكن والد إبراهيم ، وادعوا أنه ليس في آباء النبي كافر أصلًا
وكذلك نبي الله موسى الذي لا تجد دورًا لأبيه في القرآن أو نصوص التاريخ عند ولادته ونشأته، رغم المخاطر التي حفت بأمه أثناء ولادته، والملابسات التي اكتنفت نشأته.
ومن الواضح أن نبي الله عيسى ولد من غير أب. أما نبينا الأكرم محمد ، وهو أفضل الخلق، وأعزهم على الله، وأحبهم إليه، فقد مات أبوه وهو في بطن أمه، وماتت أمه وعمره ست سنوات، ثم عاش في كفالة جده عبد المطلب، ومن بعده عمه أبي طالب.
والعرب تسمي العم « أبا » قال تعالى: في قصة يعقوب: « قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحق )وإسماعيل كان عم يعقوب عليهم السلام وقد سماه أبا في هذه الآية
إن لفظة «الأب» وان كانت تُستعمل عادة في لغة العرب في «الوالد» ، إلاّ أن مورد استعمالها لا ينحصر في ذلك .
بل ربما استعملت ـ في لغة العرب وكذا في مصطلح القرآن الكريم ـ في: (العمّ) أيضًا. كما وقع ذلك في الآية التالية الّتي استعملت فيها لفظة الأب بمعنى العم إذ يقول سبحانه:
(إذْ قالَ لِبَنْيهِ ما تَعْبُدونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إلهَكَ وإله آبائكَ إبْراهيم واسْماعيل وإسحاقَ إلهًا واحِدًا ونحن لهُ مسلمون) .
فإنّ ممّا لا ريب فيه أن «اسماعيل» كان عمًا ليعقوب لا والدًا له، فيعقوب هو ابن اسحاق، واسحاق هو أخو اسماعيل.
ومع ذلك سمّى أولادُ يعقوب «اسماعيل» الّذي كان (عمَّهم) أبًا .
ومع وجود هذين الاستعمالين (استعمال الاب في الوالد تارة، وفي العم تارة اُخرى) يصبح احتمال كون المراد بالاب في الآيات المرتبطة بهداية «آزر» هو العمّ أمرًا واردًا، وبخاصة إذا ضَمَمْنا إلى ذلك قرينة قوية في المقام وهي: اجماع العلماء الّذي نقله المفيد رحمه اللّه على طهارة آباء الانبياء واجدادهم من رجس الشرك والوثنية .
ولعل السبب في تسمية النبي «ابراهيم» عمَّه بالأب هو أنه كان الكافل لابراهيم ردحًا من الزمن، ومن هنا كان «ابراهيم» ينظر إليه بنظر الأب، وينزله منزلة الوالد .
القرآن ينفي اُبوّة «آزر» لإبراهيم:
ولكي نعرف رأي القرآن الكريم في مسألة العلاقة بين «آزر» و «ابراهيم» ـ عليه السلام ـ نلفت نظر القارىء الكريم إلى توضيح آيتين:
1-لقد أشرقت منطقةُ الحجاز بنور الايمان والإسلام بفضل جهود النبىّ «محمَّد» ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وتضحياته الكبرى، وآمن اكثر الناس به عن رغبة ورضا، وعلموا بأن عاقبة الشرك، وعبادة الاوثان والاصنام هو الجحيم والعذاب الاليم .
إلاّ أنهم رغم ابتهاجهم وسرورهم بما وُفقوا له من إيمان وهداية، كانت ذكريات آبائهم واُمهاتهم الذين مضوا على الشرك والوثنية تزعج خواطرهم وتثير شفقتهم، واسفهم.
وكان سماع الآيات التي تشرح أحوال المشركين في يوم القيامة يحزنهم ويؤلمهم، وبغية ازالة هذا الالم الروحي المجهد طلبوا من رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أن يستغفر لابائهم واُمهاتهم كما فعل «إبراهيم» في شأن «آزر» فنزلت الآية في مقام الردّ على طلبهم ذاك، إذ قال سبحانه: