فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 4557

الملاحظة الرابعة: أن هذا النصر الموعود ليس أمرا يأتي بقضاء الله وقدره بدون جهد البشر: يقول تبارك وتعالى: ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاء اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ ( 4 ) { سورة محمد, فالله تعالى خلق الملائكة لا يعصون الله ما أمرهم, ويفعلون ما يؤمرون, يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: [ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ أَطَّتْ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لِلَّهِ] رواه الترمذي, وأحمد,وابن ماجه. هؤلاء لايعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون, خلقهم عز وجل بهذه الصفة, وجعل الإنسان في ميدان الخصومة بين الحق والباطل, ولذلك قال: } وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ... (119) { سورة هود , فالله سبحانه شاء أن يخلق بشرا يمكن أن يهتدي, ويمكن أن يضل؛ ليتحقق بذلك الاختبار والابتلاء لحكمة يعلمها_ وهو عز وجل أحكم الحاكمين_ فهذا النصر ليس غنيمة باردة يقبضها الإنسان من غير ثمن بل لابد من الصبر والجهاد, وكما أن أهل الباطل يجهدون ويجاهدون ويتعبون, فكذلك أهل الخير, يقول الله تعالى: } وَلاَ تَهِنُواْ فِي ابْتِغَاء الْقَوْمِ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ (104) { سورة النساء, إذن: الجهد الذي يبذله أهل الباطل يجب أن يبذل أهل الخير ما يستطيعون في مواجهته و} لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا (286) { سورة البقرة، المهم: أن لا يظن الإنسان أن الطريق مفروشة بالورود والرياحين ويكفيه أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لاقوا في سبيل هذا الطريق ما لاقوا: فمنهم: من أُذى ... ومنهم: من أخرج ... ومنهم: من طرد, حتى قال ورقة بن نوفل للنبي صلى الله عليه وسلم أول ما بعث: [ لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ قَالَ: نَعَمْ لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا] رواه البخاري,ومسلم,وأحمد . وهذا الذي حدث فعلًا حيث أخرج النبي صلى الله عليه وسلم, فخرج حزينًا على, فلما وصل إلى الحزورة, وهو بقلب حزين دمعت عيناه صلى الله عليه وسلم, وقال يخاطب مكة: [ وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ] رواه الترمذي,وابن ماجه,والدارمي,وأحمد .فالطريق شاق وطويل, ويحتاج إلى جهاد دائم من حملة رسالة الإسلام, و الله تعالى يؤيد هذا الجهاد, ولذلك قال:} وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ (104) سورة النساء, ويبارك فيه ولو كان قليلًا المهم أن يبذل الإنسان ما يستطيع .

المسألة الثانية والأخيرة في هذا الموضوع وهى: ميدان الصراع بين الحق والباطل:

الصراع بين الحق والباطل له ميدانان:

الميدان الأول: هو ميدان النفس البشرية, فالإنسان قابل للهدى والضلال: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) { سورة الشمس, } إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3) سورة الإنسان، و الإنسان حين يكون خيرًا لا يعنى أن عناصر الشر زالت منه بالكلية بل النفس الآمرة بالسوء موجودة, وكيد الشيطان موجود ولذلك قد يخطئ المستقيم, أو يضل, أو ينحرف عن هذا الطريق أو يتركه حينًا, ثم يعود إليه . وبالمقابل الإنسان المنحرف والضال لا يعنى أنه أصبح شيطانًا رجيمًا, فقد يستقيم ويهتدي للخير بل وحتى حين يكون مصرا على الشر الذي هو فيه لا تظن أبدا أنه لا تثور في نفسه نوازع الخير…. لقد حدثني أناس قضوا زمانا طويلًا في ميادين الشر والفساد: أن قلوبهم أحيانا تغلى بمراجل الهم والندم والحزن والرغبة في الإقلاع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت