الوجه الثاني أنه لما نزل جبريل إلى موسى ليذهب به إلى الطور رآه السامري من بين سائر الناس، فلما رآه قال: إن لهذا شأنًا. فقبض القبضة من أصل تربة أثرٍ موطئه. فلما سأل موسى قال: قبضت قبضة في أثر الرسول إليك يوم جاء للميعاد. وقيل رآه يوم فلق البحر، فأخذ القبضة وجعلها في عمامته لِمَا يريد الله أن يظهره من الفتنة على يديه (الطبري في تفسير طه 20: 85 - 96 ، الرازي في تفسير الأعراف 7: 150) .
فالأخطاء في النص الأصلي وأقوال المفسرين كثيرة:
(1) قوله إن العجل له خوار مأخوذ من خرافات اليهود القديمة. ولا يخفى أن الله لا يساعد على الإشراك به، وهو منزّه عما يقولون.
(2) قوله إن السامري أضلّهم، مع أنه لم يكن في عصر موسى شيء يقال له سامرة ولا سامري، فهو من التخيُّلات البعيدة المستحيلة كما يدل عليه تاريخ بني إسرائيل بل تواريخ العالم قاطبة.
(3) أقبح من الغلطة السابقة قوله إن هذا السامري ألقى في فم العجل من تراب أثر فرس جبريل. فهل لجبريل فرس؟ وهل لفرسه أثر؟ لأنه ظنَّ أن جبريل إنسانٌ يركب فرسًا.
(4) لم يجرّ موسى أخاه من رأسه كما يفعل السفهاء. إن القصة الحقيقية موجودة في الخروج 32: 1 - 35.
(5) ورد في كتاب يهودي يسمّى ترجوم يوناثان بن عزيا نفس هذه القصة، ولكن كان اليهود يقولون الربي يهوداه إسمائيل كان مختبئًا دخل العجل، وكان يخور لغش إسرائيل . فيبدو أن محمدًا قد سمع هذه القصة من يهود عصره، ولما كان لا يعرف أن كلمة إسمائيل تعني ملك الموت بالعبرانية، ظن أنهم يقصدون السامرة، وخاصة أنه كان يعرف هذه البلدة نتيجة لأسفاره السابقة إلى الشام
الرد
إن بني إسرائيل كان لهم عيد يتزينون فيه ويستعيرون من القبط الحلي فاستعاروا حلي القبط لذلك اليوم، فلما أغرق الله القبط بقيت تلك الحلي في أيدي بني إسرائيل، فجمع السامري تلك الحلي وكان رجلًا مطاعًا فيهم ذا قدر وكانوا قد سألوا موسى عليه السلام أن يجعل لهم الهًا يعبدونه، فصاغ السامري عجلًا. ثم اختلف الناس، فقال قوم كان قد أخذ كفًا من تراب حافر فرس جبريل عليه السلام فألقاه في جوف ذلك العجل فانقلب لحمًا ودمًا وظهر منه الخوار مرة واحدة. فقال السامري: هذا الهكم واله موسى وقال أكثر المفسرين من المعتزلة: إنه كان قد جعل ذلك العجل مجوفًا ووضع في جوفه أنابيب على شكل مخصوص، وكان قد وضع ذلك التمثال على مهب الرياح، فكانت الريح تدخل في جوف الأنابيب ويظهر منه صوت مخصوص يشبه خوار العجل، وقال آخرون: إنه جعل ذلك التمثال أجوف، وجعل تحته في الموضع الذي نصب فيه العجل من ينفخ فيه من حيث لا يشعر به الناس فسمعوا الصوت من جوفه كالخوار. قال صاحب هذا القول والناس قد يفعلون الآن في هذه التصاوير التي يجرون فيها الماء على سبيل الفوارات ما يشبه ذلك، فبهذا الطريق وغيره أظهر الصوت من ذلك التمثال، ثم ألقى إلى الناس أن هذا العجل الههم واله موسى. بقي في لفظ الآية سؤالات:
السؤال الأول: لم قيل: { وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا } والمتخذ هو السامري وحده؟.
والجواب: فيه وجهان:
الأول: أن الله نسب الفعل إليهم، لأن رجلًا منهم باشره كما يقال: بنو تميم قالوا كذا وفعلوا كذا، والقائل والفاعل واحد.
والثاني: أنهم كانوا مريدين لاتخاذه راضين به، فكأنهم اجتمعوا عليه.
السؤال الثاني: لم قال: { مِنْ حُلِيّهِمْ } ولم يكن الحلي لهم، وإنما حصل في أيديهم على سبيل العارية؟.
والجواب: أنه تعالى لما أهلك قوم فرعون بقيت تلك الأموال في أيديهم، وصارت ملكًا لهم كسائر أملاكهم بدليل قوله تعالى:
{ كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ } [الدخان: 25] ،
{ وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ } [الشعراء: 58] ،
{ وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَهَا قَوْمًا ءاخَرِينَ } [الدخان: 27، 28] .
السؤال الثالث: هؤلاء الذين عبدوا العجل هم كل قوم موسى أو بعضهم؟.
والجواب: أن قوله تعالى: { وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيّهِمْ عِجْلًا } يفيد العموم.
قال الحسن: كلهم عبدوا العجل غير هارون. واحتج عليه بوجهين:
الأول: عموم هذه الآية
والثاني: قول موسى عليه السلام في هذه القصة { رَبّ اغْفِرْ لِى وَلاخِى } قال خص نفسه وأخاه بالدعاء، وذلك يدل على أن من كان مغايرًا لهما ما كان أهلًا للدعاء ولو بقوا على الإيمان لما كان الأمر كذلك، وقال آخرون: بل كان قد بقي في بني إسرائيل من ثبت على إيمانه فإن ذلك الكفر إنما وقع في قوم مخصوصين، والدليل عليه قوله تعالى:
{ وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ }
[الأعراف: 181] .
فإن قيل: فهذا يوجب أنه لو صح أن يتكلم العجل ويهدي، يجوز أن يتخذ الهًا، وإلا فإن كان إثبات ذلك كنفيه في أنه لا يجوز أن يتخذ إلهًا فلا فائدة فيما ذكرتم.
والجواب من وجهين: