فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
والإمامية -أي الجعفرية- يقولون بجواز المتعة، وحقيقتها عندهم كما في كتبهم هي النكاح المؤقت بأمد معلوم أو مجهول أو غايته إلى خمسة وأربعين يومًا، ويرتفع النكاح بانقضاء المؤقت في منقطعة الحيض، وبحيضتين في الحائض، وبأربعة أشهر وعشر في المتوفى عنها زوجها، وحكمه أن لا يثبت لها مهر غير المشروط، ولا تثبت لها نفقة ولا عدة إلاّ استبراء بما ذكر، ولا يثبت به نسب إلاّ أن يشترط، وتحرم المصاهرة بسببه. ودليل الإمامية أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد رخص في المتعة وبقيت الرخصة ولم يحرمها بعد الترخيص بها. وروي عن ابن عباس بقاء الرخصة، وروى أحمد من طريق معمر بسنده أنه بلغه أن ابن عباس رخص في متعة النساء، فقال له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنه يوم خيبر وعن لحوم الحمر الأهلية، إلاّ أنه قال السهيلي: إنه لا يُعرَف عن أهل السير ورواة الآثار أنه نهى عن نكاح لمتعة يوم خيبر. وقال أبو عوانة في صحيحه: سمعت أهل العلم يقولون: معنى حديث على أنه صلى الله عليه وسلم نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية، وأما المتعة فسكت عنها. وعن ابن عيينة أن النهي زمن خيبر عن لحوم الحمر الأهلية. فالذين يجيزون المتعة ينكرون أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المتعة يوم خيبر، ويستدلون على ذلك بالترخيص بها بعد خيبر في حنين وعام الفتح، ويقولون إن تحليل المتعة مجمَع عليه، والمجمَع عليه قطعي، وتحريمها مختلَف فيه، والمختلَف فيه ظني، والظني لا ينسخ القطعي، ويقولون إن قراءة ابن عباس وابن مسعود وأُبَي بن كعب وسعيد بن جبير (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى) دليل على جواز المتعة. وهذه الأقوال والأدلة باطلة لا تصلح للاستدلال. أما كون الرسول صلى الله عليه وسلم قد رخص في المتعة فهذا صحيح ولا خلاف فيه ولكنه حرمها بعد أن رخص بها، فهي أولًا حين أُبيحت لم تكن عزيمة بل كانت رخصة ثم نسخت هذه الرخصة بتحريم المتعة تحريمًا مؤبدًا، فالموضوع لا يتعلق بنكاح معين قد سنه الشرع بل برخصة رخص بها الشرع، والموضوع أيضًا ليس كون الشرع قد رخص بها، بل الموضوع هو نسخ هذا الترخيص أو عدم نسخه، ومتى صح النسخ وجب المصير إليه وترك الحكم المنسوخ فورًا ولو جاء الإخبار بالنسخ في خبر الآحاد لنسخ ما ثبت بالتواتر والدليل القطعي، فإن المسلمين كانوا يصلون إلى بيت المقدس قبلتهم الأولى وكان ذلك ثابتًا بالتواتر، فلما نسخت الصلاة إلى بيت المقدس بلغ ذلك المسلمين بطريق الآحاد وهم في الصلاة فتحولوا إلى الكعبة وهم في الصلاة وأتموا صلاتهم. فالحكم الناسخ يجب المصير إليه فورًا متى ثبت النسخ ولو بطريق الآحاد، ونسخ الرخصة في المتعة بتحريمها تحريمًا مؤبدًا ثابت بالحديث الصحيح فوجب على المسلمين المصير إليه وترك الحكم المنسوخ، وأما ما روي عن ابن عباس بقاء الرخصة فإنه روي عنه أنه رجع عن هذا القول بعد أن بلغه حديث تحريم المتعة تحريمًا مؤبدًا. وقد روى الرجوع عن ابن عباس جماعة منهم محمد بن خلف المعروف بوكيع في كتابه القرر من الأخبار بسنده المتصل بسعيد بن جبير، وروى الرجوع أيضًا البيهقي وأبو عوانة في صحيحه. وفوق ذلك فإن ابن عباس صحابي وكلامه ليس بحجة ورأيه ليس دليلًا شرعيًا فلا يصلح للاستدلال. وأما ما روي عن علي من أن النهي في خيبر كان عن لحوم الحمر الأهلية وأما المتعة فسكت عنها، فإنه قد روي عن علي في كتب الصحاح المتفق عليها ما يخالف ذلك. فعن علي رضي الله عنه ٍ (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر) ، وفي رواية ٍ (نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن لحوم الحمر الأهلية الأنسية) . وأما ما روي عن ابن عيينة أن النهي زمن خيبر عن لحوم الحمر الأهلية، فهو صحيح من حيث رواية واقعة النهي زمن خيبر، ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لحوم الحمر الأهلية في واقعة ثم بعد ذلك نهى عن المتعة في واقعة أخرى، فقد روى ابن عيينة عن الزهري بلفط نهي عن أكل الحمر الأهلية عام خيبر وعن المتعة بعد ذلك أو غير ذلك اليوم ٍ"فالذين لم يبلغهم النهي الثاني قالوا بأن النهي إنما كان عن لحوم الحُمر الأهلية، والذين بلغهم النهي الأول والنهي الثاني جمعوهما معًا وقالوا نهي عن لحوم الحُمر الأهلية وعن المتعة، وكلتا الروايتين صحيحة"، فيكون النهي عن المتعة ثابتًا يوم خيبر ولا ينقضه من يقول إنما نهى عن الحُمر الأهلية لأنه لا يصلح دليلًا على أنه لم ينه عن غيرها، فإن عدم سماع الرجل للنهي الثاني لا ينفي سماع غيره له فيكون عدم سماع بعض الرواة حديث النهي عن المتعة يوم خيبر لا يطعن بسماع من روى حديث النهي عنها يوم خيبر نفسه، لا سيما أنه حصل في واقعة ثانية. وأما قولهم إن تحليل المتعة مجمع عليه والمجمع عليه قطعي، وتحريمهما ظني والظني لا ينسخ القطعي، فإن الموضع هو ثبوت النسخ وعدم ثبوته وليس كون الناسخ ظنيًا والمنسوخ قطعيًا، والموضوع ليس متعلقًا برواية نص