فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ثم قال: ولو قال: اثني عشر لأجل أن السبط مذكر كان جائزًا. وقال الزجاج: المعنى { وَقَطَّعْنَهُمُ اثْنَتَىْ عَشْرَةَ } فرقة { أَسْبَاطًا } فقوله: { أَسْبَاطًا } نعت لموصوف محذوف، وهو الفرقة. وقال أبو علي الفارسي: ليس قوله: { أَسْبَاطًا } تمييزًا، ولكنه بدل من قوله: { اثْنَتَىْ عَشْرَةَ } .
وأما قوله: { أُمَمًا } قال صاحب «الكشاف» : هو بدل من { اثْنَتَىْ عَشْرَةَ } بمعنى: وقطعناهم أمما لأن كل سبط كانت أمة عظيمة وجماعة كثيفة العدد، وكل واحدة كانت تؤم خلاف ما تؤمه الأخرى ولا تكاد تأتلف. وقرىء { اثْنَتَىْ عَشْرَةَ } بكسر الشين.
النوع الثاني: من شرح أحوال بني إسرائيل قوله تعالى: { وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بّعَصَاكَ الْحَجَرَ } وهذه القصة أيضًا قد تقدم ذكرها في سورة البقرة. قال الحسن: ما كان إلا حجرًا اعترضه وإلا عصًا أخذها.
واعلم أنهم كانوا ربما احتاجوا في التيه إلى ماء يشربونه، فأمر الله تعالى موسى عليه السلام أن يضرب بعصاه الحجر. وكانوا يريدونه مع أنفسهم فيأخذوا منه قدر الحاجة، وقوله: { فَانبَجَسَتْ } قال الواحدي: فانبجس الماء وانبجاسه انفجاره. يقال: بجس الماء يبجس وانبجس وتبجس إذا تفجر، هذا قول أهل اللغة، ثم قال:
والانبجاس والانفجار سواء، وعلى هذا التقدير فلا تناقض بين الانبجاس المذكور ههنا وبين الانفجار المذكور في سورة البقرة، وقال آخرون: الانبجاس خروج الماء بقلة، والانفجار خروجه بكثرة، وطريق الجمع: أن الماء ابتدأ بالخروج قليلًا، ثم صار كثيرًا، وهذا الفرق مروي عن أبي عمرو بن العلاء، ولما ذكر تعالى أنه كيف كان يسقيهم، ذكر ثانيًا أنه ظلل الغمام عليهم، وثالثا: أنه أنزل عليهم المن والسلوى، ولا شك أن مجموع هذه الأحوال نعمة عظيمة من الله تعالى، لأنه تعالى سهل عليهم الطعام والشراب على أحسن الوجوه ودفع عنهم مضار الشمس.
ثم قال: { كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ } والمراد قصر أنفسهم على ذلك المطعوم وترك غيره.
ثم قال تعالى: { وَمَا ظَلَمُونَا } وفيه حذف، وذلك لأن هذا الكلام إنما يحسن ذكره لو أنهم تعدوا ما أمرهم الله به، وذلك إما بأن تقول إنهم ادخروا مع أن الله منعهم منه، أو أقدموا على الأكل في وقت منعهم الله عنه، أو لأنهم سألوا غير ذلك مع أن الله منعهم منه، ومعلوم أن المكلف إذا ارتكب المحظور فهو ظالم لنفسه، فلذلك وصفهم الله تعالى به ونبَّه بقوله: { وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } وذلك أن المكلف إذا أقدم على المعصية فهو ما أضر إلا نفسه حيث سعى في صيرورة نفسه مستحقة للعقاب العظيم
قرية والحيتان
اسكنوا هذه القرية (أي بيت المقدس) وكلوا منها حيث شئتُم، وقولوا حِطَّةٌ، وادخلوا الباب سُجّدًا نغفر لكم خطيئتكم (آية 161)
أمرهم أن يطلبوا من الله أن يحط عنهم ذنوبهم، فبدَّل الذين ظلموا منهم هذا الكلام بأن قالوا حنطة في شعيرة . فأرسل الله عليهم عذابًا من السماء. ووردت هذه القصة أيضًا في سورة البقرة. ولم يرد في تاريخ بني إسرائيل شيء من هذا.
حاضرة البحر:
واسألهم عن القرية التي كانت حاضرةَ البحرِ إذ يَعْدون في السبت إذ تأتيهم حيتانُهم يوم سبْتِهم شُرَّعًا، ويوم لا يَسْبِتون لا تأتيهم. كذلك نبلوهم بما كانوا يَفْسُقون.. فلما عَتَوْا عن ما نُهوا عنه قلنا لهم: كونوا قِردةً خاسئين (آيتا 163 و166) .
اختلفوا في القرية، فقيل هي بين مصر والمدينة والمغرب، وقيل بين مدين والطور، وقال الزهيري هي طبرية الشام. ولهم أقوال غير هذه. فكانت تأتيهم الحيتان ظاهرةً على الماء كثيرة متتابعةً يتبع بعضها بعضًا.
قال أهل التفسير: إن اليهود أُمروا بيوم الجمعة فتركوه، واختاروا يوم السبت فابتُلوا به، وهو أن الله أمرهم بتعظيمه ونهاهم عن العمل فيه وحرّم عليهم فيه الصيد. فلما أراد أن يبتليهم كانت الحيتان تظهر لهم في يوم السبت، ينظرون إليها في البحر، فإذا انقضى السبت ذهبت فلم تُرَ إلا في السبت المقبل. فوسوس إليهم الشيطان إن اصطادوا، فاصطادوا. قال قتادة: لما عتوا عما نُهوا عنه مسخهم الله فصيّرهم قردة تتعاوى بعد ما كانوا رجالًا ونساء (الطبري في تفسير الأعراف 7: 163) . وحاشا لله أن يجرّب عباده بالشر، وهو يودّ أن الجميع يحفظون وصاياه. (راجع تعليقنا على ما أوردناه عن البقرة 2: 65) .
الرد
هذه القصة أيضًا مذكورة مع الشرح والبيان في سورة البقرة.
بقي أن يقال: إن ألفاظ هذه الآية تخالف ألفاظ الآية التي في سورة البقرة من وجوه:
الأول: في سورة البقرة { وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ } [البقرة: 58] وههنا قال: { وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ }
والثاني: أنه قال في سورة البقرة { فَكُلُواْ } بالفاء وههنا { وَكُلُواْ } بالواو.