فهرس الكتاب

الصفحة 1975 من 4557

فالآن في هذه الآية تعرض قضية التوحيد من زاوية جديدة، وزاوية عميقة.. تعرض من زاوية الفطرة التي فطر الله عليها البشر؛ وأخذ بها عليهم الميثاق في ذات أنفسهم، وذات تكوينهم؛ وهم بعد في عالم الذر!.. إن الاعتراف بربوبية الله وحده فطرة في الكيان البشري. فطرة أودعها الخالق في هذه الكينونة وشهدت بها على نفسها بحكم وجودها ذاته، وحكم ما تستشعره في أعماقها من هذه الحقيقة. أما الرسالات فتذكير وتحذير لمن ينحرفون عن فطرتهم الأولى، فيحتاجون إلى التذكير والتحذير.. إن التوحيد ميثاق معقود بين فطرة البشر وخالق البشر منذ كينونتهم الأولى، فلا حجة لهم في نقض الميثاق - حتى لو لم يبعث إليهم بالرسل يذكرونهم ويحذرونهم - ولكن رحمته وحدها اقتضت ألا يكلهم إلى فطرتهم هذه فقد تنحرف؛ وألا يكلهم كذلك إلى عقولهم التي أعطاها لهم فقد تضل؛ وأن يبعث إليهم رسلًا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل!

{ وإذ أخذ ربك من بني آدم - من ظهورهم - ذريتهم، وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى شهدنا! أن تقولوا يوم القيامة: إنا كنا عن هذا غافلين. أو تقولوا: إنما أشرك آباؤنا من قبل. وكنا ذرية من بعدهم. أفتهلكنا بما فعل المبطلون؟.. وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون } ..

إنها قضية الفطرة والعقيدة يعرضها السياق القرآني في صورة مشهد - على طريقة القرآن الغالبة - وإنه لمشهد فريد.. مشهد الذرية المكنونة في عالم الغيب السحيق، المستكنة في ظهور بني آدم قبل أن تظهر إلى العالم المشهود، تؤخذ في قبضة الخالق المربي، فيسألها: { ألست بربكم؟ } .. فتعترف له - سبحانه - بالربوبية؛ وتقر له - سبحانه - بالعبودية؛ وتشهد له - سبحانه - بالوحدانية؛ وهي منثورة كالذر؛ مجموعة في قبضة الخالق العظيم!

إنه مشهد كوني رائع باهر، لا تعرف اللغة له نظيرًا في تصوراتها المأثورة! وإنه لمشهد عجيب فريد حين يتملاه الخيال البشري جهد طاقته! وحينما يتصور تلك الخلايا التي لا تحصى، وهي تجمع وتقبض. وهي تخاطب خطاب العقلاء - بما ركب فيها من الخصائص المستكنة التي أودعها إياها الخالق المبدع - وهي تستجيب استجابة العقلاء، فتعترف وتقر وتشهد؛ ويؤخذ عليها الميثاق في الأصلاب!

وإن الكيان البشري ليرتعش من أعماقه وهو يتملى هذا المشهد الرائع الباهر الفريد. وهو يتمثل الذر السابح. وفي كل خلية حياة. وفي كل خلية استعداد كامن. وفي كل خلية كائن إنسان مكتمل الصفات ينتظر الإذن له بالنماء والظهور في الصورة المكنونة له في ضمير الوجود المجهول، ويقطع على نفسه العهد والميثاق، قبل أن يبرز إلى حيز الوجود المعلوم!

لقد عرض القرآن الكريم هذا المشهد الرائع الباهر العجيب الفريد، لتلك الحقيقة الهائلة العميقة المستكنة في أعماق الفطرة الإنسانية وفي أعماق الوجود.

.عرض القرآن هذا المشهد قبل قرابة أربعة عشر قرنًا من الزمان، حيث لم يكن إنسان يعلم عن طبيعة النشأة الإنسانية وحقائقها إلا الأوهام! ثم يهتدي البشر بعد هذه القرون إلى طرف من هذه الحقائق وتلك الطبيعة. فإذا"العلم"يقرر أن الناسلات، وهي خلايا الوراثة التي تحفظ سجل"الإنسان"وتكمن فيها خصائص الأفراد وهم بعد خلايا في الأصلاب.. أن هذه الناسلات التي تحفظ سجل ثلاثة آلاف مليون من البشر، وتكمن فيها خصائصهم كلها - لا يزيد حجمها على سنتيمتر مكعب، أو ما يساوي ملء قمع من أقماع الخياطة!.. كلمة لو قيلت للناس يومذاك لاتهموا قائلها بالجنون والخبال! وصدق الله العظيم:

{ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق }

أخرج ابن جرير وغيره - بإسناده - عن ابن عباس قال:"مسح ربك ظهر آدم، فخرجت كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة.. فأخذ مواثيقهم، وأشهدهم على أنفسهم: { ألست بربكم؟ قالوا: بلى } .. وروي مرفوعًا وموقوفًا على ابن عباس. وقال ابن كثير: إن الموقوف أكثر وأثبت.."

فأما كيف كان هذا المشهد؟ وكيف أخذ الله من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم؟ وكيف خاطبهم: { ألست بربكم } وكيف أجابوا: { بلى شهدنا } ؟.. فالجواب عليه: أن كيفيات فعل الله - سبحانه - غيب كذاته. ولا يملك الإدراك البشري أن يدرك كيفيات أفعال الله ما دام أنه لا يملك أن يدرك ذات الله. إذ أن تصور الكيفية فرع عن تصور الماهية. وكل فعل ينسب لله سبحانه مثل الذي يحكيه قوله هذا كقوله تعالى:

{ ثم استوى إلى السماء وهي دخان... }

{ ثم استوى على العرش }

{ يمحو الله ما يشاء ويثبت }

{ والسماوات مطويات بيمينه }

{ وجاء ربك والملك صفًا صفا }

{ ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم }

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت