فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
الوجه الثالث: في الجواب سلمنا أن الضمير في قوله: { جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا ءاتَاهُمَا } عائد إلى آدم وحواء عليهما السلام، إلا أنه قيل: إنه تعالى لما آتاهما الولد الصالح عزما على أن يجعلاه وقفًا على خدمة الله وطاعته وعبوديته على الإطلاق. ثم بدا لهم في ذلك، فتارة كانوا ينتفعون به في مصالح الدنيا ومنافعها، وتارة كانوا يأمرونه بخدمة الله وطاعته. وهذا العمل وإن كان منا قربة وطاعة، إلا أن حسنات الأبرار سيئات المقربين، فلهذا قال تعالى: { فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } والمراد من هذه الآية ما نقل عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال حاكيًا عن الله سبحانه:"أنا أغنى الأغنياء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه غيري تركته وشركه"وعلى هذا التقدير: فالإشكال زائل.
الوجه الرابع: في التأويل أن نقول: سلمنا صحة تلك القصة المذكورة، إلا أنا نقول: إنهم سموا بعبد الحرث لأجل أنهم اعتقدوا أنه إنما سلم من الآفة والمرض بسبب دعاء ذلك الشخص المسمى بالحرث، وقد يسمى المنعم عليه عبدًا للمنعم. يقال في المثل: أنا عبد من تعلمت منه حرفًا، ورأيت بعض الأفاضل كتب على عنوان: كتابة عبد وده فلان. قال الشاعر:
وإني لعبد الضيف ما دام ثاويا ولا شيمة لي بعدها تشبه العبدا
فآدم وحواء عليهما السلام سميا ذلك الولد بعبد الحرث تنبيهًا على أنه إنما سلم من الآفات ببركة دعائه، وهذا لا يقدح في كونه عبد الله من جهة أنه مملوكه ومخلوقه، إلا أنا قد ذكرنا أن حسنات الأبرار سيئات المقربين فلما حصل الاشتراك في لفظ العبد لا جرم صار آدم عليه السلام معاتبًا في هذا العمل بسبب الاشتراك الحاصل في مجرد لفظ العبد، فهذا جملة ما نقوله في تأويل هذه الآية.
المسألة الثانية: في تفسير ألفاظ الآية وفيها مباحث:
البحث الأول:
قوله: { هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحِدَةٍ } المشهور أنها نفس آدم
وقوله: { وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا } المراد حواء. قالوا ومعنى كونها مخلوقة من نفس آدم، أنه تعالى خلقها من ضلع من أضلاع آدم. قالوا: والحكمة فيه أن الجنس إلى الجنس أميل، والجنسية علة الضم، وأقول هذا الكلام مشكل لأنه تعالى لما كان قادرًا على أن يخلق آدم ابتداء فما الذي حملنا على أن نقول أنه تعالى خلق حواء من جزء أجزاء آدم؟ ولم لا نقول: إنه تعالى خلق حواء أيضًا ابتداء؟ وأيضًا الذي يقدر على خلق إنسان من عظم واحد فلم لا يقدر على خلقه ابتداء، وأيضًا الذي يقال: إن عدد أضلاع الجانب الأيسر أنقص من عدد أضلاع الجانب الأيمن فيه مؤاخذة تنبي عن خلاف الحس والتشريح. بقي أن يقال: إذا لم نقل بذلك، فما المراد من كلمة { مِنْ } في قوله: { وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا } فنقول: قد ذكرنا أن الإشارة إلى الشيء تارة تكون بحسب شخصه، وأخرى بحسب نوعه قال عليه الصلاة والسلام:"هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به"وليس المراد ذلك الفرد المعين بل المراد ذلك النوع. وقال عليه الصلاة والسلام:"في يوم عاشوراء هذا هو اليوم الذي أظهر الله فيه موسى على فرعون"والمراد خلق من النوع الإنساني زوجة آدم، والمقصود التنبيه على أنه تعالى جعل زوج آدم إنسانًا مثله قوله: { فَلَمَّا تَغَشَّاهَا } أي جامعها، والغشيان إتيان الرجل المرأة وقد غشاها وتغشاها إذا علاها، وذلك لأنه إذا علاها فقد صار كالغاشية لها، ومثله يجللها، وهو يشبه التغطي واللبس. قال تعالى: { هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ }
وقوله: { حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا } قالوا يريد النطفة والمني والحمل بالفتح ما كان في البطن أو على رأس الشجر، والحمل بكسر الحاء ما حمل على ظهر أو على الدابة.
وقوله: { فَمَرَّتْ بِهِ } أي استمرت بالماء والحمل على سبيل الخفة، والمراد أنها كانت تقوم وتقعد وتمشي من غير ثقل. قال صاحب «الكشاف» : وقرأ يحيى بن يعمر { فَمَرَّتْ بِهِ } بالتخفيف وقرأ غيره { فمارت به } من المرية.
كقوله:
{ أَفَتُمَارُونَهُ } [النجم: 12] وفي قراءة أخرى { أَفَتُمَرُونَهُ } معناه وقع في نفسها ظن الحمل وارتابت فيه { فَلَمَّا أَثْقَلَت } أي صارت إلى حال الثقل ودنت ولادتها { دَّعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا } يعني آدم وحواء { لَئِنْ ءاتَيْتَنَا صَالِحًا } أي ولدًا سويًا مثلنا { لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّكِرِينَ } لآلائك ونعمائك { فَلَمَّا ءاتَهُمَا } الله { صَلِحًا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا ءاتَهُمَا } والكلام في تفسيره قد مر بالاستقصاء قرأ ابن كثير وابن عامر، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وعاصم، في رواية حفص (عَنْهُ شُرَكَاء) بصيغة الجمع وقرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر (عَنْهُ) بكسر الشين وتنوين الكاف ومعناه جعلا له نظراء ذوي شرك وهم الشركاء، أو يقال معناه أحدثا لله إشراكًا في الولد ومن قرأ { شُرَكَاء } فحجته قوله:
{ أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ } [الرعد:16]