فهرس الكتاب

الصفحة 2009 من 4557

المسألة الأولى: اختلف النحويون في إدخال الكاف في قوله { أَوْ كالذى } وذكروا فيه ثلاثة أوجه الأول: أن يكون قوله { أَلَمْ تَرَ إِلَى الذى حَاجَّ إبراهيم } [ البقرة: 258 ] في معنى ( أَلم تر كالذي حاج ابراهيم ) وتكون هذه الآية معطوفة عليه ، والتقدير: أرأيت كالذي حاج إبراهيم ، أو كالذي مرّ على قرية ، فيكون هذا عطفًا على المعنى ، وهو قول الكسائي والفرّاء وأبي علي الفارسي ، وأكثر النحويين قالوا: ونظيره من القرآن قوله تعالى: { قُل لّمَنِ الأرض وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ } [ المؤمنون: 84 ، 85 ] ثم قال: { مَن رَّبُّ السموات السبع وَرَبُّ العرش العظيم ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ } [ المؤمنون: 85 ، 86 ] فهذا عطف على المعنى لأن معناه: لمن السموات؟ فقيل لله . قال الشاعر: معاوي إننا بشر فأسجح ... فلسنا بالجبال ولا الحديدا

فحمل على المعنى وترك اللفظ .

والقول الثاني: وهو اختيار الأخفش: أن الكاف زائدة ، والتقدير: ألم تر إلى الذي حاج والذي مرّ على قرية .

والقول الثالث: وهو اختيار المبرد: أنا نضمر في الآية زيادة ، والتقدير: ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم ، وألم تر إلى من كان كالذي مرّ على قرية .

المسألة الثانية: اختلفوا في الذي مرّ بالقرية ، فقال قوم: كان رجلًا كافرًا شاكًا في البعث وهو قول مجاهد وأكثر المفسرين من المعتزلة ، وقال الباقون: إنه كان مسلمًا ، ثم قال قتادة وعكرمة والضحاك والسدي: هو عزير ، وقال عطاء عن ابن عباس: هو أرمياء ، ثم من هؤلاء من قال: إن أرمياء هو الخضر عليه السلام ، وهو رجل من سبط هارون بن عمران عليهما السلام ، وهو قول محمد بن إسحاق ، وقال وهب بن منبه: إن أرمياء هو النبي الذي بعثه الله عندما خرب بختنصر بيت المقدس وأحرق التوراة ، حجة من قال: إن هذا المار كان كافرًا وجوه الأول: أن الله حكى عنه أنه قال: { أنى يحي هذه الله بعد موتها } وهذا كلام من يستبعد من الله الإحياء بعد الإماتة وذلك كفر .

فإن قيل: يجوز أن ذلك وقع منه قبل البلوغ .

قلنا: لو كان كذلك لم يجز من الله تعالى أن يعجب رسوله منه إذ الصبي لا يتعجب من شكه في مثل ذلك ، وهذه الحجة ضعيفة لاحتمال أن ذلك الاستبعاد ما كان بسبب الشك في قدرة الله تعالى على ذلك ، بل كان بسبب إطراد العادات في أن مثل ذلك الموضع الخراب قلما يصيره الله معمورًا وهذا كما أن الواحد منا يشير إلى جبل ، فيقول: متى يقلبه الله ذهبًا ، أو ياقوتًا ، لا أن مراده منه الشك في قدرة الله تعالى ، بل على أن مراده منه أن ذلك لا يقع ولا يحصل في مطرد العادات ، فكذا هاهنا .

الوجه الثاني: قالوا: إنه تعالى قال في حقه { فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ } وهذا يدل على أنه قبل ذلك لم يكن ذلك التبين حاصلًا له وهذا أيضًا ضعيف لأن تبين الإحياء على سبيل المشاهدة ما كان حاصلًا له قبل ذلك ، فأما أن تبين ذلك على سبيل الاستدلال ما كان حاصلًا فهو ممنوع .

الوجه الثالث: أنه قال: { أَعْلَمُ أَنَّ الله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } وهذا يدل على أن هذا العالم إنما حصل له في ذلك الوقت ، وأنه كان خاليًا عن مثل ذلك العلم قبل ذلك الوقت ، وهذا أيضًا ضعيف لأن تلك المشاهدة لا شك أنها أفادت نوع توكيد وطمأنينة ووثوق ، وذلك القدر من التأكيد إنما حصل في ذلك الوقت ، وهذا لا يدل على أن أصل العلم ما كان حاصلًا قبل ذلك .

الوجه الرابع: لهم أن هذا المار كان كافرًا لانتظامه مع نمروذ في سلك واحد وهو ضعيف أيضًا ، لأن قبله وإن كان قصة نمروذ ، ولكن بعده قصة سؤال إبراهيم ، فوجب أن يكون نبيًا من جنس إبراهيم .

وحجة من قال: إنه كان مؤمنًا وكان نبيًا وجوه الأول: أن قوله { أنى يحيي هذه الله بعد موتها } يدل على أنه كان عالمًا بالله ، وعلى أنه كان عالمًا بأنه تعالى يصح منه الإحياء في الجملة ، لأن تخصيص هذا الشيء باستبعاد الإحياء إنما يصح أن لو حصل الاعتراف بالقدرة على الإحياء في الجملة فأما من يعتقد أن القدرة على الإحياء ممتنعة لم يبق لهذا التخصيص فائدة .

/الحجة الثانية: أن قوله { كَمْ لَبِثْتَ } لا بد له من قائل والمذكور السابق هو الله تعالى فصار التقدير: قال الله تعالى: { كَمْ لَبِثْتَ } فقال ذلك الإنسان { لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } فقال الله تعالى: { بَل لَّبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ } ومما يؤكد أن قائل هذا القول هو الله تعالى قوله { وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةً لِلنَّاسِ } ومن المعلوم أن القادر على جعله آية للناس هو الله تعالى ، ثم قال: { وانظر إِلَى العظام كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا } ولا شك أن قائل هذا القول هو الله تعالى؛ فثبت أن هذه الآية دالة من هذه الوجوه الكثيرة على أنه تكلم معه ، ومعلوم أن هذا لا يليق بحال هذا الكافر .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت