فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وفاعل الفصل في القراءتين واحد هو الله عز وجل:
وقد اختلف التعبير عن الفاعل في القراءتين ، فهو في القراءة الأولى"يفَصِّل"ضمير مستتر عائد على الله عز وجل في قوله:
(ما خلق الله ذلك إلا بالحق) أى يفصل هو الآيات. فالفاعل هنا مفرد لعوده على مفرد"الله".
وفى القراءة الثانية عُبِّر عن الفاعل بضمير الجمع للمتكلم"نُفَصِّل"أى نفصل نحن.
والله واحد أحد ، ولكن النون فى"نفصل"لها معنى في اللغة العربية هو التعظيم إذا كان المراد منها فردًا لا جماعة. ووجه التعظيم بلاغةً تنزيل الفرد منزلة"الجماعة"تعظيمًا لشأنه ، وإجلالًا لقدره.
وفى هاتين القراءتين تكثير للمعنى ، وهو وصف ملازم لكل القراءات.
وللبلاغيين إضافة حسنة في قراءة"نفصل"بعد قوله:"ما خلق الله.."هى الانتقال من الغيبة فى"ما خلق الله"إلى المتكلم فى"نفصل"للإشعار بعظمة التفصيل وروعته.
وبعد: إن إرجاع القراءات القرآنية لطبيعة الخط العربى الذى كان في أول أمره خاليًا من النقط والشكل ، كما توهم"جولد زيهر"ومن بعده"آثر جيفرى"فى المقدمة التى كتبها لكتاب المصاحف ، لأبى داود السجستانى ، وتابعهما المستشرق"جان بيرك"، إن هذه النظرية مجرد وَهْم سانده جهل هؤلاء الأدعياء على الفكر الإسلامى، مبدؤه ومنتهاه الحقد على الإسلام والتطاول على القرآن ، لحاجات في نفوسهم .
وقد قدمنا في إيجاز ما أبطل هذه الأوهام ، وبقى علينا في الرد على هذه الشبهة أن نذكر في إيجاز كذلك جهود علمائنا في تمحيص القراءات ، وكيف وضعوا الضوابط الدقيقة لمعرفة القراءات الصحيحة ، من غيرها مما كان شائعًا وقت جمع القرآن في عهد عثمان بن عفان"رضى الله عنه".
تمحيص القراءات:
وضع العلماء الأقدمون ضوابط محكمة للقراءات الصحيحة التى هى وحى من عند الله. وتلك الضوابط هى:
1-صحة السند ، الذى يؤكد سماع القراءة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
2-موافقة القراءة لرسم المصحف الشريف ، الذى أجمعت عليه الأمة في خلافة عثمان رضى الله عنه مع ملاحظة أن الصحابة الذين نسخوا القرآن في المصحف من الوثائق النبوية في خلافة عثمان ، نقلوه كما هو مكتوب في الوثائق النبوية بلا تغيير أو تبديل. ورسم المصحف الذى بين أيدينا الآن سنة نبوية ؛ لأن النبى صلى الله عليه وسلم أقر تلك الوثيقة ، واحتفظ بها في بيته حتى آخر يوم في حياته الطيبة.
ولذلك أجمع أئمة المذاهب الفقهية على تحريم كتابة المصحف في أى زمن من الأزمان ، على غير الرسم المعروف بالرسم العثمانى للمصحف الشريف. ونقل هذا الإجماع عنهم كثير من علماء تاريخ القرآن (13) .
3-أن تكون القراءة موافقة لوجه من وجوه تراكيب اللغة العربية ؛ لأن الله أنزل كتابه باللسان العربى المبين.
4-أن يكون معنى القراءة غير خارج عن قيم الإسلام ومقاصده ، الأصول والفروع.
فإذا تخلف شرط من هذه الشروط فلا تكون القراءة مقبولة ولا يعتد بها.
وعملًا بهذه الضوابط تميزت القراءات الصحيحة من القراءات غير الصحيحة ، أو ما يسمى بالقراءات الشاذة ، أو الباطلة.
ولم يكتف علماؤنا بهذا ، بل وضعوا مصنفات عديدة حصروا فيها القراءات الصحيحة ، ووجهوها كلها من حيث اللغة ، ومن حيث المعنى.
كما جمع العلامة ابن جنى القراءات الشاذة ، حاصرًا لها ، واجتهد أن يقومها تقويمًا أفرغ ما ملك من طاقاته فيها ، وأخرجها في جزءين كبيرين.
أما ذو النورين عثمان بن عفان رضى الله عنه ، حين أمر بنسخ الوثائق النبوية في المصاحف ، فقد أراد منه هدفين ، ننقل للقارئ الكريم كلامًا طيبًا للمرحوم الدكتور/ محمد عبد الله دراز في بيانهما:
"وفى رأينا أن نشر المصحف بعناية عثمان كان يستهدف أمرين:"
أولهما: إضفاء صفة الشرعية على القراءات المختلفة ، التى كانت تدخل في إطار النص المدون يعنى المصحف ولها أصل نبوى مجمع عليه ، وحمايتها فيه منعًا لوقوع أى شجار بين المسلمين بشأنها ، لأن عثمان كان يعتبر التمارى (أى الجدال) فى القرآن نوعًا من الكفر.
ثانيهما: استبعاد ما لا يتطابق تطابقًا مطلقًا مع النص الأصلى (الوثائق النبوية) وقاية للمسلمين من الوقوع في انشقاق خطير فيما بينهم ، وحماية للنص ذاته من أى تحريف ، نتيجة إدخال بعض العبارات المختلف عليها نوعًا ما ، أو أى شروح يكون الأفراد قد أضافوها إلى مصاحفهم" (14) ."
هذه هى عناية المسلمين من الرعيل الأول بالقرآن الكريم وتعدد قراءاته ، وحماية كتاب الله من كل دخيل على نصوص الوحى الإلهى.