فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
إن أعنف غرائز الإنسان هي الغريزة الجنسية ، وأن الحيوان يَفْضُل الإنسان فيها ، فالحيوان أخذ العملية الجنسية لاستبقاء النوع .... بدليل أن الأنثى من الحيوان إذا تم لقاحها من فحل لا تُمكن فحلًا آخر منها ، والفحل أيضًا إذا ما جاء إلى أنثى وهي حامل فهو لا يُقبل عليها ، إذن فالحيوانات قد أخذت غريزة الجنس كاستبقاء للحياة ، ولم تأخذها كالإنسان لذة متجددة
ومع ذلك نحن البشر نظلم الحيوانات ، ونقول في وصف شهوة الإنسان: إن عند فلان شهوة بهيمية .... فنقول: يا ليتها كانت بهيمية بالفعل ، لأن البهيمية قد أخذتها على القدر الضروري ... لكن نحن فلسفناها ، إذن فخروجك بالشيء عما يمكن أن يكون مباحًا ومشروعًا يسمى: دناءة شهوة النفس .
ولكي لا أطيل: فشهوة الرجال للنساء معروفة ولا شرح فيها ... أما قول الحق { َالبَنِينَ } فالمقصود بها الذكران ، ولم يقل البنات ، لماذا ؟
لأن البنين هم الذين يُطلبون دائمًا للعزوة كما يقولون ولا يأتي منهم العار ، وكان العرب يئدون البنات ويخافون العار ، والمحبوب لدى الرجل في الإنجاب حتى الآن هو إنجاب البنين ، حتى الذين يقولون بحقوق المرأة وينادون بها ، سواء كان رجلًا أو امرأة إن لم يرزقه الله بولد فإنه أو إنها تريد ولدًا ذكرًا .
لي ملحوظة صغيرة: يقول الله تعالى"زُيِّنَ"فمن المزين ؟ إن كان في الأمر الزائد على الضروريات الأمر فهذا من شغل الشيطان ، وإن كان في الأمر الرتيب الذي يضمن استبقاء النوع فهذا من الله .
والله أعلم
للشيخ الخطيب تفسيرًا آخر لهذه الآية
زين للناس حب الشهوات من الرجال والنساء ..وأيضًا البنين المقصود بها الذكور والإناث
ولكن يوجد أسلوب قرآنى إسمه [ أسلوب الإكتفاء] وهو أن يكتفى بذكر حالة معينة دون غيرها والمراد التعميم
مثل قوله تعالى في سورة النحل [ وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم]
فى هذه الآية المقصود بها أن الله جعل لكم سرابيل تقيكم الحر وأيضًا سرابيل تقيكم البرد ولكنه أكتفى بذكر حالة الحر والمقصود العموم في الحر والبرد
وعلى هذا المنوال كانت الآية 14 من سورة آل عمران
وقد يكون الإكتفاء بذكر شهوة النساء فقط لأنها أشد
يذكر الإمام الرازي قول:
قوله تعالى: { مِنَ النّسَاء وَالْبَنِينَ } ففيه بحثان:
{ مِنْ } في قوله { مِنَ النّسَاء وَالْبَنِينَ } كما في قوله { فَاجْتَنِبُواْ الرّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ } [الحج: 30]
فكما أن المعنى فاجتنبوا الأوثان التي هي رجس فكذا أيضًا معنى هذه الآية: زين للناس حب النساء وكذا وكذا التي هي مشتهاة.
الله تعالى عدد ههنا من المشتهيات أمورًا أولها: النساء وإنما قدمهن على الكل لأن الالتذاذ بهن أكثر والاستئناس بهن أتم ولذلك قال تعالى: { خَلَقَ لَكُم مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْواجًا لّتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً } [الروم: 21]
ومما يؤكد ذلك أن العشق الشديد المفلق المهلك لا يتفق إلا في هذا النوع من الشهوة.
ولما كان حب الولد الذكر أكثر من حب الأنثى، لا جرم خصه الله تعالى بالذكر، ووجه التمتع بهم ظاهر من حيث السرور والتكثر بهم إلى غير ذلك.
واعلم أن الله تعالى في إيجاد حب الزوجة والولد في قلب الإنسان حكمة بالغة، فإنه لولا هذا الحب لما حصل التوالد والتناسل ولأدى ذلك إلى انقطاع النسل، وهذه المحبة كأنها حالة غريزية ولذلك فإنها حاصلة لجميع الحيوانات، والحكمة فيه ما ذكرنا من بقاء النسل
في ظلال القرآن - (ج 1 / ص 52)
(زين للناس) . وصياغة الفعل للمجهول هنا تشير إلى أن تركيبهم الفطري قد تضمن هذا الميل ; فهو محبب ومزين . . وهذا تقرير للواقع من أحد جانبيه . ففي الإنسان هذا الميل إلى هذه"الشهوات", وهو جزء من تكوينه الأصيل , لا حاجة إلى إنكاره , ولا إلى استنكاره في ذاته . فهو ضروري للحياة البشرية كي تتأصل وتنمو وتطرد - كما أسلفنا - ولكن الواقع يشهد كذلك بأن في فطرة الإنسان جانبا آخر يوازن ذلك الميل , ويحرس الإنسان أن يستغرق في ذلك الجانب وحده ; وأن يفقد قوة النفخة العلوية أو مدلولها وإيحاءها . هذا الجانب الآخر هو جانب الاستعداد للتسامي , والاستعداد لضبط النفس ووقفها عند الحد السليم من مزاولة هذه"الشهوات". الحد الباني للنفس وللحياة ; مع التطلع المستمر إلى ترقية الحياة ورفعها إلى الأفق الذيتهتف إليه النفحة العلوية , وربط القلب البشري بالملإ الأعلى والدار الآخرة ورضوان الله . . هذا الاستعداد الثاني يهذب الاستعداد الأول , وينقيه من الشوائب , ويجعله في الحدود المأمونة التي لا يطغى فيها جانب اللذة الحسية ونزعاتها القريبة , على الروح الإنسانية وأشواقها البعيدة . . والاتجاه إلى الله , وتقواه , هو خيط الصعود والتسامي إلى تلك الأشواق البعيدة .