فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
فليرض كل صاحب نعمة بما فيها من نقص، فلعل هذا النقص يرد عنه عين حاسد، أو حقد حاقد.
فبعض الناس يرزقه الله بالأولاد ويعينه على تربيتهم، ولحكمة يفشل أحدهم فيحزن لذلكن ويألم أشد الألم، ويقول: لو أن هذا الولد .. وهو لا يدرك حكمة الله من وراء هذا النقص، وأنه حارس للنعمة في الآخرين، وأنه التميمة التي تحميه وترد عنه ما يكره.
لذلك لما أراد المتنبي أن يمدح سيف الدولة قال له:
شخص الأنام إلى كمالك فاستعذ من شر أعينهم بعيبٍ واحد
أي:نظروا إليك معجبين بما فيك من كمال، فاعمل عملًا سيئًا واحدًا يصد عنك شر أعينهم. إذن: (لن) تفيد تأبيد النفي في المستقبل، وهذا أمر لا يملكه إلا مالك الأحداث سبحانه وتعالى، أما صاحب الأغيار فليس له ذلك، والذين آمنوا فيما بعد برسول الله ممن قالوا هذه المقولة:
{لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا"90"}
(سورة الإسراء)
نستطيع أن نقول لهم: لقد أوقعتكم (لن) في الكذب؛ لأنكم أبدتم نفي الإيمان، وهاأنتم مؤمنون، ولم يفجر لكم النبي ينبوعًا من الأرض.
وعند فتح مكة وقف عكرمة بن أبي جهل وقال في الخندمة ما قال، ثم رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنًا معتذرًا وخرج محاربًا مع خالد بن الوليد في اليرموك، وحين طعن الطعنة المميتة، وحمله خالد، فإذا به يقول له: أهذه ميتة ترضي عني رسول الله؟
إذن: من يقول كلمة عليه أن يكون قادرًا على تنفيذها، مالكًا لزمامها، ضامنًا لنفسه ألا يتغير، وألا تتناوله الأغيار، ولا يملك ذلك إلا الله سبحانه وتعالى.
والمتدبر لأسلوب القرآن في سورة (الكافرون) يجد هذه المسألة واضحة، حيث يقول تعالى:
{قل يا أيها الكافرون"1"لا أعبد ما تعبدون"2"ولا أنتم عابدون ما أعبد"3"ولا أنا عابد ما عبدتم"4"}
(سورة الكافرون)
هكذا نفت الآية عبادة كل منهما لإله الآخر في الزمن الحاضر، ثم يقول تعالى:
{ولا أنا عابد ما عبدتم"4"ولا أنتم عابدون ما أعبد"5"}
(سورة الكافرون)
لينفي أيضًا احتمال العبادة في المستقبل، إذن: فليس في الآية تكرار، كما يرى بعض قصار النظر.
ولك الآن أن تسأل: كيف نفى القرآن الحديث في المستقبل؟ نقول: لأن المتكلم هنا هو الحق سبحانه وتعالى الذي يملك الأحداث ولا تغيره الأغيار، ولا تتسلط عليه، فحكم على المستقبل هذا الحكم القاطع وأبد النفي فيه.
ثم يقول تعالى:
{حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا"90"}
(سورة الإسراء)
وفي آية أخرى قال:
{وفجرنا الأرض عيونًا .."12"}
(سورة القمر)
فالتفجير: أن تعمل في الأرض عملية تخرج المستتر في باطنها على ظهرها، وعين الماء تخرج لك الماء من الأرض، وتأخذ من حاجتك فلا ينقص؛ لأنها تعوض ما أخذ منها بقانون الاستطراق، وقد يحدث أن يغيض الماء فيها قليلًا.
أما الينبوع فتراه يفيض باستمرار دون أن ينقص فيه منسوب الماء، كما في زمزم مثلًا، ولاشك أن هذا المطلب منهم جاء نتيجة حرمانهم من الماء، وحاجتهم الشديدة إليه. ويذكر الحق سبحانه أنهم واصلوا حديثهم للرسول صلى الله عليه وسلم، فقالوا
(أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرًا"91")
سبق أن طلبوا الماء لأنفسهم، وهنا يطلبون للرسول (جنة) أي: بستان أو حديثة من النخيل والعنب؛ لأنهما الصنفان المشهوران عن العرب.
{فتجر الأنهار خلالها تفجيرًا"91"}
(سورة الإسراء)
أي: خلال هذه الحديقة حتى تستمر ولا تذبل. ويواصلون تحديهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقولون:
(أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلًا"92")
الزعم: هو القبول المخالف للواقع، ويقولون: الزعم مطية الكذب، قال تعالى:
{زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا .."7"}
(سورة التغابن)
وإن كانوا اتهموا رسول الله بالزعم، فما هو إلا مبلغ عن الله، وناقل إليهم منهج ربه، فإن أرادوا أن يتهموا فليتهموا الحق سبحانه وتعالى؛ لأن رسوله لا ذنب له، وقد جاءوا بمسألة إسقاط السماء عليهم؛ لأن الحق سبحانه سبق أن قال عنهم:
{أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء .."9"}
(سورة سبأ)
ولذلك طلبوا من رسول الله أن يوقع بهم هذا التهديد. و
{كسفا .."9"}
(سورة سبأ)
أي: قطعًا، ومفردها كسفة كقطعة. ويقول تعالى:
{أو تأتي بالله والملائكة قبيلًا"92"}
(سورة الإسراء)
نراهم أمامنا هكذا مقابلة عيانًا، وقد جاء هذا المعنى أيضًا في قوله تعالى:
{وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا .."21"}
(سورة الفرقان)
والمتأمل فيما طلبه الكفار من رسول الله صلى الله عليه وسلم يجده تعجيزًا بعيدًا كل البعد عن الواقع، مما يدلنا على أنهم ما أرادوا الإيمان والهداية، بل قصدوا الجدل والعناد؛ لذلك يقول الحق سبحانه ردًا على لجج هؤلاء وتعنتهم:
{ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا .."111"}
(سورة الأنعام)