فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وأما الحجة السادسة: فضعيفة لأن قولنا: هذه الآية ناسخة لحكم كان مشروعًا لا تعلق له بباب العمل ولا يكون خبر الواحد حجة فيه، وأيضًا ففي الآية ما يدل على ضعف هذه الروايات لأن المذكور في تلك الروايات أن القوم اعترفوا بما فعلوا عند الرسول، وذلك على خلاف قول الله تعالى: { عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ } لأن ظاهره هو المباشرة، لأنه افتعال من الخيانة، فهذا حاصل الكلام في هذه المسألة.
المسألة الثانية: القائلون بأن هذه الحرمة كانت ثابتة في شرعنا، ثم إنها نسخت ذكروا في سبب نزول هذه الآية أنه كان في أول الشريعة يحل الأكل والشرب والجماع، ما لم يرقد الرجل أو يصل العشاء الآخرة، فإذا فعل أحدهما حرم عليه هذه الأشياء إلى الليلة الآتية، فجاء رجل من الأنصار عشية وقد أجهده الصوم، واختلفوا في اسمه، فقال معاذ: اسمه أبو صرمة، وقال البراء: قيس بن صرمة، وقال الكلبي: أبو قيس بن صرمة، وقيل: صرمة بن أنس، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سبب ضعفه فقال: يا رسول الله عملت في النخل نهاري أجمع حتى أمسيت فأتيت أهلي لتطعمني شيئًا فأبطأت فنمت فأيقظوني، وقد حرم الأكل فقام عمر فقال: يا رسول الله أعتذر إليك من مثله. رجعت إلى أهلي بعدما صليت العشاء الآخرة، فأتيت امرأتي، فقال عليه الصلاة والسلام:"لم تكن جديرًا بذلك يا عمر"ثم قام رجال فاعترفوا بالذي صنعوا فنزل قوله تعالى: { أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ } .
المسألة الثالثة: قال صاحب «الكشاف» : قرىء { أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصّيَامِ الرَّفَثُ } أي أحل الله وقرأ عبد الله { الرفوث } .
المسألة الرابعة:قال الواحدي: ليلة الصيام أراد ليالي الصيام فوقع الواحد موقع الجماعة، ومنه قول العباس بن مرادس:فقلنا أسلموا إنا أخوكم فقد برئت من الأحن الصدور
وأقول فيه وجه آخر وهو أنه ليس المراد من { لَيْلَةَ الصّيَامِ } ليلة واحدة بل المراد الإشارة إلى الليلة المضافة إلى هذه الحقيقة.
المسألة الخامسة: قال الليث: الرفث أصله قول الفحش، وأنشد الزجاج:
ورب أسراب حجيج كقلم عن اللغا ورفث التكلم
يقال رفث في كلامه يرفث وأرفث إذا تكلم بالقبيح قال تعالى:
{ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ }
[البقرة: 197]
وعن ابن عباس أنه أنشد وهو محرم:
وهن يمشين بنا هميسًا أن يصدق الطير ننك لميسا
فقيل له: أترفث؟
فقال: إنما الرفث ما كان عند النساء فثبت أن الأصل في الرفث هو قول الفحش ثم جعل ذلك اسما لما يتكلم به عند النساء من معاني الإفضاء، ثم جعل كناية عن الجماع وعن كل ما يتبعه.
فإن قيل: لم كنى ههنا عن الجماع بلفظ الرفث الدال على معنى القبح بخلاف قوله:
{ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ } [النساء: 21]
{ فَلَمَّا تَغَشَّاهَا } [الأعراف: 189]
{ أَوْ لَمَسْتُمُ النّسَاء } [النساء: 43]
{ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ } [النساء: 23]
{ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ } [البقرة: 223]
{ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ } [البقرة: 236]
{ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ } [النساء: 24]
{ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ } [البقرة: 222] .
جوابه: السبب فيه استهجان ما وجد منهم قبل الإباحة كما سماه اختيانا لأنفسهم، والله اعلم.
المسألة السادسة: قال الأخفش: إنما عدى الرفث بإلى لتضمنه معنى الإفضاء في قوله:
{ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ } [النساء: 21] .
المسألة السابعة: قوله: { أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصّيَامِ الرَّفَثُ } يقتضي حصول الحل في جميع الليل لأن { لَيْلَةَ } نصب على الظرف، وإنما يكون الليل ظرفًا للرفث لو كان الليل كله مشغولا بالرفث، وإلا لكان ظرف ذلك الرفث بعض الليل لاكله، فعلى هذا النسخ حصل بهذا اللفظ، وأما الذي بعده في قوله: { وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ } فذاك يكون كالتأكيد لهذا النسخ، وأما الذي يقول: إن قوله: { أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصّيَامِ الرَّفَثُ } يفيد حل الرفث في الليل، فهذا القدر لا يقتضي حصول النسخ به فيكون الناسخ هو قوله: { كُلُواْ وَاشْرَبُواْ } .
أما قوله تعالى: { فَتَابَ عَلَيْكُمْ } فمعناه على قول أبي مسلم فرجع عليكم بالاذن في هذا الفعل والتوسعة عليكم وعلى قول مثبتي النسخ لا بد فيه من إضمار تقديره: تبتم فتاب عليكم فيه.