ولم نسمع أن النصارى كفروا بموسى، ولا أن أقوال الطوائف في حق بعضهم تُعدُّ وحيًا. ومن المعلوم أن كل طائفة تقول وقت انفعالاتها ومناظراتها في الأخرى ما لا يجوز النطق به وقت التروّي. وما أحسن ما قاله الخازن: إن الإنجيل الذي تدين بصحته النصارى يحقِّق ما في التوراة من نبوة موسى وما فرض الله فيها على بني إسرائيل من الفرائض، وإن التوراة التي تدين بصحتها اليهود تحقق نبوة عيسى وما جاء به من عند ربه من الأحكام .
وغاية محمد من إيراد هذا الخبر أن يوضّح أن العرب قالوا عنه إنه ليس على شيء، كما قالت اليهود للمسيحيين إنهم ليسوا على شيء، وكما قال المسيحيون لليهود إنهم ليسوا على شيء. ثم قال إن الله يحكم بينهم يوم القيامة، وكان الأولى به أن يحكم بينهم ويوضّح الحق كما فعل المفسرون.
الرد
قوله { وَقَالَتِ اْليَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَـ?رَى? عَلَى شَىْءٍ }
نزلت في يهود المدينة ونصارى أهل نجران وذلك أن وفد نجران لما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم أتاهم أحبار اليهود: فتناظروا حتى ارتفعت أصواتهم فقالت لهم اليهود، ما أنتم على شيء من الدين، وهذا يُفيد أنهم كفروا بعيسى والإِنجيل، وقالت لهم النصارى: ما أنتم على شيء من الدين، وهذا يُفيد أنهم كفروا بموسى والتوراة فأنزل الله تعالى? { وَقَالَتِ النَّصَرَى? لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَىْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَبَ } وكلا الفريقين يقرؤون الكتاب، وقيل: معناه ليس في كتبهم هذا الاختلاف فدل تلاوتهم الكتاب ومخالفتهم ما فيه على كونهم على الباطل { كذَ?لِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ } يعني: آباءهم الذين مضوا { مِثْلَ قَوْلِهِمْ } قال مجاهد: يعني: عوامّ النصارى، وقال مقاتل: يعني مشركي العرب، كذلك قالوا في نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه: أنهم ليسوا على شيء من الدين.
وقال عطاء: أمم كانت قبل اليهود والنصارى مثل قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب عليهم السلام قالوا لنبيهم: إنه ليس على شيء { فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ } يقضي بين المحق والمبطل { فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } من الدين.
ويتضح من ذلك أن اليهود عندما تقول أن ليس النصارى على شيء ، فنفهم من ذلك أن اليهود كفرت بالمسيح والإنجيل .. وقد اتضح لنا من التلمود وصلب المسيح أن اليهود لا تؤمن بالمسيح ولا بالإنجيل وتكفر أهل المسيحية .
والنصارى لا تؤمن باليهودية ، فهم لا يتبعوا توراة اليهود بالكامل ولا يؤمنوا بالتلمود ولا يؤمنوا برب اليهود ، وقد ظهر ذلك من علاقة اليسوع بكتبة اليهود ولعنهم وتوعد لهم بالجحيم .... والنصارى حولت الله الذي يؤمن به اليهود إلى اليسوع .... فاليهود يؤمن بأن الله هو واحد أحد ، والنصارى تؤمن بأن الله هو اليسوع ، واليسوع عندما قال"أنا والأب واحد"كاد أن يُهلك من اليهود وقاموا رجمه لولا أنه تراجع وأوضح أن اللفظ مجازًا فقط .
فلو تنحى النصارى عن عبادتهم لليسوع وآمنوا بإله اليهود ، فإذا يمكن القول بأن الآية لم تكن حق
أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ
تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ ; (آية 108) .
قال اليهود لمحمد: ائتنا بكتابٍ من السماء جملةً كما أتى موسى بالتوراة، أو فجِّرْ لنا أنهارًا، نتبعك ونصدّقك كما فعل موسى، فإنه ضرب الصخرة فانفجرت المياه . فقال لهم: أم تريدون أن تسألوا رسولكم؟ . وسألوه هذا السؤال مرارًا وعجز عن إجابتهم (الطبري في تفسير البقرة 2: 108) .
فكان يجب أن يأتيهم بمعجزةٍ واحدةٍ كما فعل موسى وغيره من الأنبياء الصادقين، ولكنه لم يفعل ذلك وأظهر عجزه بقوله: أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سُئل موسى من قبل؟ . ولم يشكّ أحد من بني إسرائيل في موسى كما شكّ العرب في محمد، لأن محمدًا لم يأتهم بمعجزة ولا ببرهان على صحّة دعواه، ولكنه اعتذر وشبّه نفسه بموسى. وشتَّان بينهما! فموسى فعل المعجزات الباهرة، فضرب المصريين عشر ضربات، وشقَّ البحر الأحمر وأغرق المصريين، وفجّر الصخرة ماءً، وكلّم الله تكليمًا.
الرد
إن السؤال الذي ذكروه إن كان ذلك طلبًا للمعجزات فمن أين أنه كفر؟ ومعلوم أن طلب الدليل على الشيء لا يكون كفرًا، فإن كانوا طلبوا المعجزات فإنهم يطلبونها على سبيل التعنت واللجاج .... لهذا فإنهم طلبوا منه أن يجعل لهم إلهًا كما لهم آلهة .. فكفروا بسبب هذا السؤال.
كما سألوا موسى
{ اجعل لنا إلها كما لهم إلهة }
أما التفرقة في المعجزات ... فيكفينا القول بأن سيدنا موسى عليه السلام جاء بمعجزات وانتهت بموته ، وسيدنا عيسى جاء بمعجزات وانتهت برفعه ، وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم انتقل إلى الرفيق الأعلى ومازالت معجزته خالدة إلى يوم القيامة وهي معجزة القرآن .
الا يكفي القرآن كمعجزة ، وإلا فأتوا بحديث مثله