{وضرب الله مثلًا للذين آمنوا امرأة فرعون .."11"} (سورة التحريم)
ولم يذكر لنا من هي، ولم يشخصها؛ لأن تعينها لا يقدم ولا يؤخر، المهم أن نعلم أن فرعون الذي ادعى الألوهية وبكل جبروته وسلطانه لم يستطع أن يحمل امرأته على الإيمان به.
إذن: العقيدة والإيمان أمر شخصي قلبي، لا يجبر عليه الإنسان، وهاهي امرأة فرعون تؤمن بالله وتقول:
{رب ابن لي عندك بيتًا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين"11"}
(سورة التحريم)
أما في قصة مريم ، فيقول تعالى: {ومريم أبنت عمران .."12"} (سورة التحريم)
فشخصها باسمها، بل واسم أبيها، لماذا؟ قالوا: لأن الحدث الذي ستتعرض له حدث فريد وشيء خاص بها لن يتكرر في غيرها؛ لذلك عينها الله وعرفها، أما الأمر العام الذي يتكرر، فمن الحكمة أن يظل مبهمًا غير مرتبط بشخص أو زمان أو مكان، كما في قصة أهل الكهف، فقد أبهمها الحق سبحانه لتكون مثالًا وقدوة لكل مؤمن في كل زمان ومكان.
اقتباس:
عندما انقطع الوحي عن محمد قال له جبريل إنه لا يدخل بيتًا فيه كلب. (راجع التعليق على المائدة 4) . فإن صدق هذا فكيف تمَّ تقليب أهل الكهف وكلبهم باسطٌ ذراعيه بالوصيد؟
انقطع الوحي عن رسول الله لقوله:"أخبركم بما سألتم عنه غدًا"
فجاء غد وبعد غد ومرت خمسة عشر يومًا دون أن يوحي لرسول الله شيء من أمر هذه الأسئلة، فشق ذلك على رسول الله وكبر في نفسه أن يعطي وعدًا ولا ينجزه.
وقالوا: إن سبب إبطاء الوحي على رسول الله في هذه المسألة أنه قال:"أخبركم بما سألتم عنه غدًا"ولم يقل: إن شاء الله ؛ ولذلك خاطبه ربه تبارك وتعالى بقوله:
{ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا"23"إلا أن يشاء الله .."24"}
(سورة الكهف)
وهذه الآية في حد ذاتها دليل على صدق رسول الله، وعلى أدبه، وعلى أمانته في البلاغ عن ربه عز وجل، وقد أراد الحق سبحانه أن يكون هذا الدرس في ذات الرسول ليكون نموذجًا لغيره، وحتى لا يستنكف أحد إذا استدرك عليه شيء، فهاهو محمد رسول الله يستدرك عليه ربه ويعدل له.
فكأن قوله تعالى:
{ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا"23"إلا أن يشاء الله .."24"} (سورة الكهف)
تربية للأمة في شخصية رسولها حتى لا يستنكف المربى من توجيه المربي، مادام الهدف هو الوصول إلى الحقيقة، فإياكم أن ترفضوا استدراك رأي على رأي حتى وإن كان من الخلق، فما بالك إن كان الاستدراك من الخالق سبحانه، والتعديل والتربية من ناحيته؟
ويؤكد ذلك نزول القرآن منجمًا ليرد على الإفتراءات الموجه ضد الرسول
ولنا هنا وقفة مع أمانته صلى الله عليه وسلم في البلاغ عن الله، وأنه لم يكتم من الوحي شيئًا حتى ما جاء في عتابه والاستدراك عليه، فكأنه أمين حتى على نفسه، فالرسول هو الذي بلغنا:
{ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا"23"} (سورة الكهف)
وهو الذي بلغنا:
{يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك .."1"} (سورة التحريم)
وهو الذي بلغنا في شأن غزوة بدر:
{عفا الله عنك لم أذنت لهم .."43"} (سورة التوبة)
وغيرها كثير من آيات القرآن؛ لذلك مدحه ربه تعالى بقوله:
{وما هو إلى الغيب بضنينٍ"24"} (سورة التكوير)
حتى في مجال التهديد والوعيد لم يكتم رسول الله من الوحي حرفًا واحدًا، انظر إلى قوله تعالى:
{ولو تقول علينا بعض الأقاويل"44"لأخذنا منه باليمين"45"ثم لقطعنا منه الوتين"46"} (سورة الحاقة)
إنها الأمانة المطلقة والصدق الذي لا يخفي شيئًا.
ألم يكن جديرًا بالقوم أن يفقهوا هذه الناحية من رسول الله، ويتفكروا في صدقه صلى الله عليه وسلم حين يخبرهم عن نفسه أشياء لم يعرفوها، وكان من المنتظر أن يخفيها عنهم؟ أليس في ذلك دليلًا قاطعًا على صدقه فيما يقول؟
والحق تبارك وتعالى حينما يعلمنا أن نقول: إن شاء الله إذا أقدمنا على عمل في المستقبل
اقتباس:
جبريل إنه لا يدخل بيتًا فيه كلب. (راجع التعليق على المائدة 4) . فإن صدق هذا فكيف تمَّ تقليب أهل الكهف وكلبهم باسطٌ ذراعيه بالوصيد؟
ومن قال أن سيدنا جبريل عليه السلام هو الموكل بذلك ؟!!!!
عمومًا
{ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ } حكاية حال ماضية؛ لأنّ اسم الفاعل لا يعمل إذا كان في معنى المضي، وإضافته إذا أضيف حقيقية معرفة، كغلام زيد، إلا إذا نويت حكاية الحال الماضية.
والوصيد: فناء الباب الزمخشري
وأنشد:
بِأَرْضٍ فَضَاء لاَ يُسَدُّ وَصِيدُهَا عَلَىَّ وَمَعْرُوفِي بِهَا غَيْرُ مُنْكَرِ