فهرس الكتاب

الصفحة 2166 من 4557

كلمة: كل ترسم سورًا كليًا لا يترك شيئًا، فالمراد يأخذ كل سفينة، سواء أكانت معيبة أم غير معيبة، لكن الحقيقة أنه يأخذ السفينة الصالحة للاستعمال فقط، ولا حاجة له في المعيبة الغير صالحة، وكأن في سياق الآية صفة مقدرة: أي يأخذ كل سفينة صالحة غصبًا من صاحبها.

والغصب: ما أخذ بغير الحق، عنوة وقهرًا ومصادرة، وله صور متعددة منها مثلًا السرقة: وهي أخذ المال من حرزه خفيه ككسر دولاب أو خزينة، ومنها الغصب: وهو أخذ مال الغير بالقوة، وتحت سمعه وبصره، وفي هذه الحالة تحدث مقاومة ومشادة بين الغاصب والمغصوب.

ومنها الخطف: وهو أخذ مال الغير هكذا علانية، ولكن بحيلة ما، يخطف الشيء ويفر به دون أن تتمكن من اللحاق به، فالخطف ـ إذن ـ يتم علانية ولكن دون مقاومة. ومنها الاختلاس: وهو أن تأخذ مال الغير وأنت مؤتمن عليه، والاختلاس يحدث خفية، ولا يخلو من حيلة تستره.

ومادام الأمر هنا غصبًا فلابد لمالك الشيء أن يقاوم ولو بعض مقاومة يدافع بها عن حقه، وقد يتوسل إليه أن يترك له ماله، فالمسألة ـ إذن ـ فيها كلام وأخذ ورد.

إذن: خرق السفينة في ظاهره اعتداء على ملك مقوم، وهذا منهي عنه شرعًا، لكن إذا كان هذا الاعتداء سيكون سببًا في نجاة السفينة كلها من الغاصب فلا بأس إذن، وسفينة معيبة خير من عدمها، ولو علم موسى ـ عليه السلام ـ هذه الحكمة لبادر هو إلى خرقها.

ومادام الأمر كذلك، فعلينا أن نحول السفينة إلى سفينة غير صالحة ونعيبها بخرقها، أو بخلع لوح منها لنصرف نظر الملك المغتصب عن أخذها.

وكلمة (وراءهم) هنا بمعنى أمامهم؛ لأن هذا الظالم كان يترصد للسفن التي تمر عليه، فما وجدها صالحة غصبها، فهو في الحقيقة أمامهم، على حد قوله تعالى:

{من روائه جهنم ويسقى من ماءٍ صديدٍ .."16"}

(سورة إبراهيم)

وهل جهنم وراءه أم أمامه؟ وتستعمل وراء بمعنى: بعد، كما في قوله تعالى:

{فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب"71"}

(سورة هود)

وتأتي وراء بمعنى: غير. كما في قوله تعالى في صفات المؤمنين:

{والذين هم لفروجهم حافظون"5"إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين"6"فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون"7"}

(سورة المؤمنون)

وفي قوله تعالى:

{حرمت عليكم أمهاتكم .."23"}

(سورة النساء)

إلى ..

{وأحل لكم ما وراء ذلكم .."24"}

(سورة النساء)

وقد تستعمل وراء بمعنى خلف، كما في قوله تعالى:

{وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم .."187"}

(سورة آل عمران)

إذن: كلمة (وراء) جاءت في القرآن على أربعة معانٍ: أمام ، خلف ، بعد ، غير . وهذا مما يميز العربية عن غيرها من اللغات، والملكة العربية قادرة على أن تميز المعنى المناسب للسياق، فكلمة العين ـ مثلًا ـ تأتي بمعنى العين الباصرة. أو: عين الماء، أو: بمعنى الذهب والفضة، وبمعنى الجاسوس. والسياق هو الذي يحدد المعنى المراد.

الأولى

(فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرًا"74")

تلاحظ في الآية السابقة أن الاعتداء من الخضر كان على مال (سفينة) أتلفه، وهنا صعد الأمر إلى قتل نفس زكية دون حق، فبأي جريرة يقتل هذا الغلام الذي لم يبلغ رشده؟ لذلك قال في الأولى:

{لقد جئت شيئًا إمرًا"73"}

(سورة الكهف)

أي عجيبًا أما هنا فقال:

{لقد جئت شيئًا نكرًا"74"}

(سورة الكهف)

أي: منكرًا؛ لأن الجريمة كبيرة.

والنفس الزكية: الطاهرة الصافية التي لم تلوثها الذنوب ومخالفة التكاليف الإلهية. وكذلك يأتي الرد من الخضر مخالفًا للرد الأول، ففي المرة الأولى قال:

{ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرًا"72"}

(سورة الكهف)

الثانية

(وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرًا"80")

الغلام: الولد الذي لم يبلغ الحلم وسن التكليف، ومادام لم يكلف فما يزال في سن الطهارة والبراءة من المعاصي؛ لذلك لما اعترض موسى على قتله قال:

{أقتلت نفسًا زكيةٍ .."74"}

(سورة الكهف)

أي: طاهرة، ولاشك أن أخذ الغلام في هذه السن خير له ومصلحة قبل أن تلوثه المعاصي، ويدخل دائرة الحساب.

إذن: فطهارته هي التي دعتنا إلى التعجيل بأخذه. هذا عن الغلام، فماذا عن أبيه وأمه؟

يقول تعالى:

{فكان أبواه مؤمنين .."80"}

(سورة الكهف)

وكثيرًا ما يكون الأولاد فتنة للآباء، كما قال تعالى:

{يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم .."14"}

(سورة التغابن)

والفتنة بالأولاد تأتي من حرص الآباء عليهم، والسعي إلى جعلهم في احسن حال، وربما كانت الإمكانات غير كافية، فيضطر الأب إلى الحرام من أجل أولاده. وقد علم الحق ـ سبحانه وتعالى ـ أن هذا الغلام سيكون فتنة لأبويه، وهما مؤمنان ولم يرد الله تعالى لهما الفتنة، وقضى أن يقبضهما إليه على حال الإيمان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت