فهرس الكتاب

الصفحة 2191 من 4557

القول الثاني: وهو قريب من الأول في البطلان ، أو مثله ، ونعني قول القاضي عبد الجبار: (ومنها - أي الحِكَم - أن كون القرآن كذلك - أي محكمًا ومتشابها - يصرفه أن يعول على تقليده ؛ لأنه يرى أنه ليس بأن يقلد كلامه عز وجل في نفي التشبيه ؛ لقوله عز وجل: (ليس كمثله شيء( أولى من أن يقلده في خلافه لقوله عز وجل: (وجاء ربك( . فكما أن اختلاف العلماء في الديانات ، وقول بعضهم في المذهب بخلاف قول صاحبه ، يصرف المميز عن تقليدهم ؛ لأنه ليس تقليد بعضهم بأولى من تقليد سائرهم ، فكذلك انقسام القرآن إلى الوجهين اللذين ذكرناهما ، يصرف من ذلك لا محالة ، وما صرف عن التقليد المحرم ، وبعث على النظر والاستدلال ، فهو في الحكمة أولى) (97) .

وهذا الكلام غاية في البطلان ؛ فإن القرآن إنما أنزل ليتبع ويقلد ؛ قال تعالى: (وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون( [الأنعام: 155] ، وقال تعالى: (اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم( [الأعراف: 3] وقال: (واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم( [الزمر: 55] ، وقال: (قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلّا ما يوحى إلي( [يونس: 15] . وقال: (واتبع ما يوحى إليك من ربك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين( [يونس: 109] . فإلى الله المشتكى ، وهو الحاكم فيمن يجعل اتباع القرآن تقليدًا محرمًا ، إنه لعجب كيف أمكن أن يقال هذا الباطل من المنتسبين إلى علماء الملة الحنيفية ، وقد عظَّم الله شأن القرآن ورفعه فوق زبر الأولين ، وجعله إمامًا لخير الأمم .

قال تعالى: (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا( [المائدة: 48] .

وقال: (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرًا كبيرًا( [الإسراء: 9] . وكيف يكون القرآن حاكمًا إذا كان نزوله من أجل أن يصرف الناس عن تحكيمه في عقيدتهم ؟! قال عز وجل: (آلر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد( [إبراهيم: 1] . وقال: (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين( [النمل: 89] . وقال: (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه( [البقرة: 213] .

والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل .

(89) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (1/46-47) ، دار المدني ، جدة ، 1408 .

(90) شفاء العليل لابن القيم ص: 193 ، تحقيق محمد بدر الدين الحلبي ، دار الفكر ، بيروت ، 1978 .

(91) تفسير ابن كثير (3/48) ، مكتبة دار التراث ، القاهرة .

(92) انظر: تفسير أبي السعود (2/8) ، الخازن (1/320) تفسير أبي الليث السمرقندي (2/13) ، تفسير النسفي (1/246) ، تفسير البيضاوي (2/4) ، تفسير القرطبي (4/89) وانظر: كذلك التمهيد لأبي الخطاب (2/276) . فتح القدير للشوكاني (1/318)

(93) وقد تقدم ذكر هذه الفائدة ؛ لذلك لم أرقمها .

(94) راجع الإتقان 2/31 .

(95) المصدر السابق (2/16) .

(96) أساس التقديس ص 192 ، وانظر: تفسيرالفخر الرازي أيضًا (7/172) .

(97) متشابه القرآن للقاضي عبدالجبار (1/26) .

المبحث الثالث: أنواع المطاعن

الطاعنون في القرآن كثر ، ومطاعنهم وشبهاتهم كثيرة ، وحصرها قد يعيي الباحث ، ويكل المجد ، ولكن حقيقة هذه الطعون أنها تدور في أفلاك محددة ، وتنبع من مشكاة واحدة ، ويمكننا أن نرجعها إلى أصول وقواعد تلملم شعث هذه الطعون ، والرد على هذه الأصول يتكفل بالرد على جميع ما تحته من طعونات لا تعد ولا تحصر (98) ، ويمكننا أن نرد المطاعن إلى أربعة أصول يتفرع من بعضها فروع ؛ وهي:

1-نفي نسبة القرآن لله تعالى: ويشمل عدة طعون:

-نسبته إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وأنه من تأليفه (99) .

-نسبته إلى الاقتباس من الكتب السابقة كالتوراة والإنجيل (100) .

-دعوى عدم قدسيته وإمكانية نقده ومخالفته (101) ؛ يعني قد يقر بأنه ليس من النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وأنه من الله تعالى، ولكن يقول هو ليس مقدسا ، بل يمكن نقده ، وهذا الكلام حقيقته نفي القرآن عن الله تعالى ؛ لأن ما كان من الله سبحانهفهو مقدس ولا يمكن نقده ، وما كان من غيره فينطبق عليه ما يجري على كلام البشر من خطأ أو عجز أو جهل ، إلى غير ذلك من نقائض البشر .

2-زعم عدم حفظه:

يعني قد يقر بأن القرآن من الله جل جلاله ، ولكن يزعم عدم حفظه فيدعي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت