فهرس الكتاب

الصفحة 2193 من 4557

ذكرنا في المبحث السابق الطعون العامة التي يوردها الطاعنون ، ونشير هنا إلي الأسباب التي كانت وراءها ، أو التي دفعت هؤلاء إلي الخوض في قضايا تمس القرآن الكريم ، ومن ثم يمكن القول بأن اختلافهم في القرآن يرجع إلى مجموعة من الاعتبارات ؛ نذكر أهمها فيما يلى:

أما نفي نسبة القرآن إلى الله تعالى ، وزعم عدم حفظ القرآن ، وما يندرج تحتهما من طعونات ، فإنها دعاوى من غير أدلة ولا برهان ، وسببها الحقد المحض ، ولعل سببها الوحيد لديهم دعواهم وجود التناقض في القرآن ، والتناقض دليل على عدم قدسيته .

وأما دعوى تناقض القرآن فإنها ترجع لخمسة أسباب ، كما ذكرها الزركشي ، فقد قال - رحمه الله -:

الأول: وقوع المخبر به على أحوال مختلفة وتطويرات شتى:

كقوله تعالى في خلق آدم إنه (من تراب( [ آل عمران: 59] ، ومرة (من حمأ مسنون( [الحجر: 26] ، ومرة (من طين لازب( [الصافات: 11] ، ومرة (من صلصال كالفخار( [الرحمن: 14] ، وهذه الألفاظ مختلفة ، ومعانيها في أحوال مختلفة ؛ لأن الصلصال غير الحمأ ، والحمأ غير التراب ، إلا أن مرجعها كلها إلى جوهر ، وهو التراب ، ومن التراب تدرجت هذه الأحوال .

ومنه قوله تعالى: (فإذا هي ثعبان مبين( [ الشعراء: 32 ] ، وفي موضع (تهتز كأنها جان( [القصص: 31] ، والجان الصغير من الحيات ، والثعبان الكبير منها ؛ وذلك لأن خلقها خلق الثعبان العظيم واهتزازها وحركاتها وخفتها كاهتزاز الجان وخفته .

السبب الثاني: اختلاف الموضوع:

كقوله تعالى: (وقفوهم إنهم مسئولون( [الصافات: 24] ، وقوله: (فلنسألن الذين أرسل إليهم و لنسألن المرسلين( [ الأعراف: 6 ] ، مع قوله: (فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان( [الرحمن: 36] ؛ قال الحليمي: فتحمل الآية الأولى على السؤال عن التوحيد وتصديق الرسل ، والثانية على ما يستلزم الإقرار بالنبوات من شرائع الدين وفروعه .

وحمله غيره على اختلاف الأماكن ؛ لأن في القيامة مواقف كثيرة ، فموضع يسأل ويناقش وموضع آخر يرحم ويلطف به ، وموضع آخر يعنف ويوبخ وهم الكفار ، وموضع آخر لا يعنف وهم المؤمنون .

وقوله: (ولا يكلمهم الله يوم القيامة( [البقرة: 174] ، مع قوله: (فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون( [الحجر: 92-93] وقيل: المنفي كلام التلطف والإكرام ، والمثبت سؤال التوبيخ والإهانة ، فلا تنافي ، وقيل: إن المنفي كلامهم في النار، والمثبت كلامهم في الحساب .

وكقوله: (ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين( [الأنعام: 23] ، مع قوله: (ولا يكتمون الله حديثا( [النساء: 42] ، فإن الأولى تقتضي أنهم كتموا كفرهم السابق ، والجواب من وجهين ؛ أحدهما: أن للقيامة مواطن ففي بعضها يقع منهم الكذب ، وفي بعضها لا يقع ، كما سبق ، والثاني: أن الكذب يكون بأقوالهم ، والصدق يكون من جوارحهم ، فيأمرها الله تعالى بالنطق فتنطق بالصدق .

ومنه قوله تعالى: (اتقوا الله حق تقاته( [آل عمران: 102] ، مع قوله: (فاتقوا الله ما استطعتم( [التغابن: 16] ، يحكى عن الشيخ العارف أبي الحسن الشاذلي ، رحمه الله ، أنه جمع بينهما فحمل الآية الأولى على التوحيد ، والثانية على الأعمال ، والمقام يقتضي ذلك ؛ لأنه قال بعد الأولى (ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون( .

وقيل: بل الثانية ناسخة ؛ قال ابن المنير: الظاهر أن قوله: (اتقوا الله حق تقاته( إنما نسخ حكمه لا فضله وأجره ، وقد فسر النبي( صلى الله عليه وسلم ) حق تقاته بأن قال: « هو أن يطاع فلا يعصى ويذكر فلا ينسى ويشكر فلا يكفر » . فقالوا: أينا يطيق ذلك . فنزلت(فاتقوا الله ما استطعتم( وكان التكليف أولا باستيعاب العمر بالعبادة بلا فترة ولا نعاس ، كما كانت الصلاة خمسين ثم صارت بحسب الاستطاعة خمسا ، والاقتدار منزل على هذا الاعتبار ، ولم ينحط من درجاته ، وقال الشيخ كمال الدين الزملكاني: وفي كون ذلك منسوخا نظر ، وقوله: (ما استطعتم( هو (حق تقاته( إذ به أمر فإن (حق تقاته( الوقوف على أمره ودينه ، وقد قال بذلك كثير من العلماء اهـ .

والحديث الذي ذكره ابن المنير في تفسيره (حق تقاته(لم يثبت مرفوعا ، بل هو من كلام ابن مسعود رواه النسائي ، وليس فيه قول الصحابة: أينا يطيق ذلك ، ونزول قوله تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم( .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت