فهرس الكتاب

الصفحة 2347 من 4557

وقالها موسى عَلَيْهِ السَّلام: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي [القصص:16] ، ويقول المُصْنِّف رَحِمَهُ اللَّهُ إن الفخر محرم ومنهي عنه، ولا ينبغي للفاضل أن يفتخر عَلَى المفضول، فإذا كَانَ كذلك فمن باب أولى أن لا يفتخر المفضول عَلَى الفاضل!

وكيف يكون لأحدٍ من النَّاس كائنًا من كَانَ في عبادته أو في ولايته أن يقول: إنه أفضل من يونس بن متى؟!

وقد تستغربون وتقولون: وهل يوجد أحد يقول: إنه أفضل من نبي من الأَنْبِيَاء؟!

نقول: نعم، هناك كثير من فرق وطوائف الصوفية يرون أن الولي أفضل من النبي فما بالكم بنبي الله يونس عَلَيْهِ السَّلام الذي ليس من أولي العزم! والذي ذكر الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- عنه هذا الفعل ولامه عليه وقَالَ: وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ [القلم:48] يكون عندهم أقل بكثير جدًا.

والخلاصة: أن الأرجح في معنى قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {من قال إني خير من يونس بن متى فقد كذب} أنه ليس معناه من قَالَ: إن محمدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أفضل من يونس بن متى فقد كذب، لكن من قَالَ: أنا، أي: من قال عن نفسه ذلك: ويأتي هنا إشكال كما ذكر المُصْنِّف أخيرًا وهو لو أن نبيًا قال ذلك!!

فنقول: لا يمكن أن يقول أي نبي إنه أفضل من يونس بن متى عَلَى سبيل الفخر والانتقاص ليونس بن متى عَلَيْهِ السَّلام، فإن القول الذي قاله يونس قاله كل الأَنْبِيَاء حتى نبينا مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو أفضل الأَنْبِيَاء جميعًا.

قَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:

[وإنما أخبر صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه سيد ولد آدم لأنا لا يمكننا أن نعلم ذلك إلا بخبره إذ لا نبي بعده يخبرنا بعظيم قدره عند الله، كما أخبرنا هو بفضائل الأَنْبِيَاء قبله صلّى الله عليهم وسلم أجمعين، ولهذا أتبعه بقوله"ولا فخر"كما جَاءَ في رواية (وهل يقول من يؤمن بالله واليوم الآخر: إن مقام الذي أسري به إِلَى ربه وهو مقرب معظم مكرم كمقام الذي ألقى في بطن الحوت وهو مُليم؟!

وأين المعظم المقرب من الممتحن المؤدب، فهذا في غاية التقريب، وهذا في غاية التأديب، فانظر إِلَى هذا الاستدلال لأنه بهذا المعنى المحرف اللفظ لم يقله الرسول، وهل يقاوم هذا الدليل عَلَى نفي علو الله تَعَالَى عَلَى خلقه الأدلة الصحيحة الصريحة القطعية عَلَى علو الله تَعَالَى عَلَى خلقه التي تزيد عَلَى ألف دليل، كما يأتي الإشارة إليها عند قول الشيخ رَحِمَهُ اللَّهُ (محيط بكل شيء وفوقه) ، إن شاء الله تَعَالَى] اهـ.

الشرح:

يقول المُصْنِّف رَحِمَهُ اللَّهُ: يأتي إشكال وهو قوله صلى الله علهي وسلم: وقوله: {أنا سيد ولد آدم يَوْمَ القِيَامَةِ} مع القول بأنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى عن الفخر، وعن التفضيل، وأمر بالتواضع، والتفضيل حق وكونه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أفضل الأَنْبِيَاء حق، وقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {أنا سيد ولد آدم} حق، فكيف نجمع بين هذا وهذا؟

يقول: يكون الجمع بأنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يُعلم فضله، ولا يُعلم تفضيله عَلَى الأَنْبِيَاء إلا بالوحي، والوحي يأتينا عن طريقه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فهو يُخبرنا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بذلك، فهذا من قبيل الإخبار، وعليه توضحه رواية (ولا فخر) وإن كَانَ فيها ضعفًا.

فقوله: (ولا فخر) أي لم أقل إني سيد ولد آدم يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى سبيل الفخر، فإن الفخر منهي عنه، والأمر والحال والشأن كما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {يا عباد الله تواضعوا حتى لا يفخر أحد عَلَى أحد} فليس قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {أنا سيد ولد آدم} من الفخر، وإنما هو من قبيل الإخبار بالواقع وبالحقيقة الذي لا يمكن أن نعلمها إلا عن طريقه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فكما أخبر عن يَوْمَ القِيَامَةِ وما يكون فيها، ولا يعلم ذلك إلا بالخبر، فكذلك قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه سيد الناس، أي: أفضل النَّاس في ذلك الموقف.

وهذا يربط الكلام بما قلنا: في أول الحديث: إن يَوْمَ القِيَامَةِ أمر خاص وتفضيله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى النَّاس فيه له خصوصية، ولهذا قَالَ: {أنا سيد ولد آدم يَوْمَ القِيَامَةِ} ، بينما لم يقل ذلك مطلقًا ولم يرد هذا اللفظ عنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا عن أصحابه مطلقًا، وإن كَانَ هو حق في ذاته.

ويقول رادًا عَلَى الشيخ الضال: كيف لا يكون هناك فرق بين النبي الذي أسري به مكرمًا معززًا مقربًا، وبين الممتحن المؤدب الذي التقمه الحوت تأديبًا وعقوبة من الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى؟‍

فهذه من حذلقة الصوفية ومن إشارتهم التي يفسرون بها كتاب الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى ما يقتضيه الهوى لا عَلَى ما يقتضيه الدليل والنص الشرعي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت