قال الإمام ابن كثير: (("فَخَانَتَاهُمَا"أَيْ فِي الْإِيمَان لَمْ يُوَافِقَاهُمَا عَلَى الْإِيمَان وَلَا صَدَقَاهُمَا فِي الرِّسَالَة فَلَمْ يَجِد ذَلِكَ كُلّه شَيْئًا وَلَا دَفَعَ عَنْهُمَا مَحْذُورًا وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى"فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنْ اللَّه شَيْئًا"أَيْ لِكُفْرِهِمَا"وَقِيلَ"لِلْمَرْأَتَيْنِ"اُدْخُلَا النَّار مَعَ الدَّاخِلِينَ"وَلَيْسَ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ"فَخَانَتَاهُمَا"فِي فَاحِشَة بَلْ فِي الدِّين فَإِنَّ نِسَاء الْأَنْبِيَاء مَعْصُومَات عَنْ الْوُقُوع فِي الْفَاحِشَة لِحُرْمَةِ الْأَنْبِيَاء كَمَا قَدَّمْنَا فِي سُورَة النُّور قَالَ سُفْيَان الثَّوْرِيّ عَنْ مُوسَى بْن أَبِي عَائِشَة عَنْ سُلَيْمَان بْن قَرْم سَمِعْت اِبْن عَبَّاس يَقُول فِي هَذِهِ الْآيَة"فَخَانَتَاهُمَا"قَالَ مَا زَنَتَا أَمَّا خِيَانَة أَمْرَأَة نُوح فَكَانَتْ تُخْبِر أَنَّهُ مَجْنُون وَأَمَّا خِيَانَة اِمْرَأَة لُوط فَكَانَتْ تَدُلّ قَوْمهَا عَلَى أَضْيَافه وَقَالَ الْعَوْفِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ كَانَتْ خِيَانَتهمَا أَنَّهُمَا كَانَتَا عَلَى غَيْر دِينهمَا فَكَانَتْ اِمْرَأَة نُوح تَطَّلِع عَلَى سِرّ نُوح فَإِذَا آمَنَ مَعَ نُوح أَحَدٌ أَخْبَرَتْ الْجَبَابِرَة مِنْ قَوْم نُوح بِهِ وَأَمَّا اِمْرَأَة لُوط فَكَانَتْ إِذَا أَضَافَ لُوط أَحَدًا أَخْبَرَتْ بِهِ أَهْل الْمَدِينَة مِمَّنْ يَعْمَل السُّوء وَقَالَ الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس مَا بَغَتْ اِمْرَأَة نَبِيّ قَطُّ إِنَّمَا كَانَتْ خِيَانَتهمَا فِي الدِّين وَهَكَذَا قَالَ عِكْرِمَة وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَالضَّحَّاك وَغَيْرهمْ ) )
فبين لهم رسول الله أن الظلم المقصود في الأية هو الشرك و ليس صغائر الذنوب التى لا يخلوا منها أحد، مع أن المعنيين دل عليهما لفظ واحد (الظلم)
و معصية ابينا أدم كانت غفلة ليس أكثر بدليل قوله تعالى (( وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ) )فبين لنا تعالى أن معصية أدم كانت بسبب النسيان و ضعف العزيمة و لم تصدر عن عمد و استكبار، كما أن أدم لم يكن له عهد بالمعاصى و لا خبرة له بحيل الشيطان لذا فعندما جاءه الشيطان و أقسم بالله أنه له من الناصحين انخدع أدم بكلامه (( وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ ) )
;قال ابن عباس: بعد أن عاتب الله تعالى أدم فقال"أما كان فيما منحتك من الجنة و أبحتك منها من دوحة عما حرمت عليك؟"فقال أدم:"بلى رب و لكن و عزتك ما حسبت أن أحدًا يحلف بك كذبًا"
.و قد بادر نبى الله أدم بالتوبة (قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) .و غفر الله تعالى له (فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)
و بهذا يتبين أن ما صدر من أدم عليه السلام ما كان إلا زلة سرعان ما تاب منها و اناب إلى ربه فتقبله سبحانه و تاب عليه
الشبهة الثانية -ادعى المبطلون أن ميراث الخطيئة ثابت في القرآن و السنة ، لقوله تعالى (( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ) )و لقول رسول الله (ص) فى الحديث: (فجحد فجحدت ذريته ونسي آدم فنسيت ذريته وخطئ آدم فخطئت ذريته)
فزعموا أن الله أخذ الميثاق من أدم نيابة عن ذريته،و أن الحديث يفيد توريث الخطيئة
بعد الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله:
أ) اما الأية الكريمة فما قالت أن الله أخذ الميثاق من ادم بالنيابة عن ذريته، فهذا صرف للأية عن ظاهرها بغير صارف، اللهم إلا أهواء النصارى!
والأية صريحة العبارة بأن الرب أخرج ذرية ادم من ظهره بالفعل و أشهدهم على انفسهم، وهو ما اكدته الأحاديث المتواترة منها:
قال رسول الله (ص) : (( لما خلق الله آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة ثم جعل بين عيني كل إنسان كل إنسان منهم وبيصا من نور ثم عرضهم على آدم فقال: أي رب من هؤلاء قال: هؤلاء ذريتك فرأى رجلا منهم أعجبه نور ما بين عينيه فقال: أي رب من هذا؟ قال: رجل من ذريتك في آخر الأمم يقال: له داود قال: أي رب كم عمره؟ قال: ستون سنة قال فزده من عمري أربعين سنة قال: إذن يكتب ويختم ولا يبدل فلما انقضى عمر آدم جاء ملك الموت فقال: أولم يبقى من عمري أربعون سنة؟ قال: أولم تعطها ابنك داود؟ فجحد فجحدت ذريته ونسي آدم فنسيت ذريته وخطئ آدم فخطئت ذريته ) )