فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
كما أن تعظيم الحجر الأسود هو امتثال لأوامر الله الذي أمر بتعظيم هذا الحجر بالذات، وهو سبحانه الذي أمر برجم حجر آخر كمنسك من مناسك الحج؛ فالأمر بالنسبة للتعظيم أو الرجم لا يعدو كونه إقرارًا بالعبودية لله تعالى وامتثالًا لأوامره عز وجل واستسلامًا لأحكامه.
(13) كاد محمد صلى الله عليه وسلم أن يفتن
أ.د محمود حمدي زقزوق
الرد على الشبهة:
أخذوا ذلك من فهم مغلوط لآيات سورة الإسراء: ( وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا * وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا ) (1) .
بعض ما قيل في سبب نزول هذه الآية أن وفد ثقيف قالوا للرسول، صلى الله عليه وسلم، أجّلنا سنة حتى نقبض ما يُهدى لآلهتنا من (الأصنام) ، فإذا قبضنا ذلك كسّرناها وأسلمنا؛ فهَمّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقبول ذلك فنزلت الآية.
قوله تعالى:"كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ"أي هممت أو قاربت أن تميل لقبول ما عرضوه عليك؛ لولا تثبيت الله لك بالرشد والعصمة، ولو فعلت لعذبناك ضعف عذاب الحياة وعذاب الممات؛ يعني: قاربت أن تستجيب لما عرضوه، لكنك بتثبيت الله لم تفعل لعصمة الله لك.
وكل مَنْ هُمْ على مقربة من الثقافة الإسلامية يعرفون أن"الهمّ"ـ أي المقاربة لشيء دون القيام به أو الوقوع فيه ـ لا يُعتبر معصية ولا جزاء عليه، وهو مما وضِع عن الأمة وجاء به ما صح عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قوله:
(وضِع عن أمتي ما حدثت به نفسها ما لم تعمل به أو تتكلم به) ؛ وعليه.. فإنه لا إثم ولا شيء يُؤخذ على محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ في ذلك.
(1) الإسراء: 73-75.
(14) قَاتَلَ محمد صلى الله عليه وسلم في الشهر الحرام
أ.د محمود حمدي زقزوق
الرد على الشبهة:
وذلك لما ورد في آيات سورة البقرة:
(يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) (1) .
والمسلمون جميعًا وعلى رأسهم إمامهم ورسولهم محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ هم أحفظ الناس لحرمة الأشهر الحرم وعدم القتال فيها، واعتبار القتال فيها حدثًا كبيرًا أو كأنه كبيرة من الكبائر..
لكن ما الذي يفعله المسلمون إذا ما ووجِهوا من أعدائهم من المشركين بالقتال والعدوان على الأنفس والأموال والأعراض، ليس هذا فحسب بل ماذا يفعل المسلمون إذا فوجئوا بمن يخرجهم من المسجد الحرام وهم أهله وهم أولى به من غيرهم ؟!
إن قانون"الدفع الحضاري"الذي يقره القرآن الكريم لحماية الكون من إفساد المتجبرين والظلمة، ثم لحماية بيوت العبادة للمسلمين والنصارى واليهود أيضًا، والذي عبّرت عنه الآيتان الكريمتان: (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ) (2) . وقوله: (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) (3) . هذا القانون القرآني ـ وليس قانون من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر ـ هو وحده الذي يحمي الكون والناس من إفساد المتجبرين وظلم الظالمين.
وذلك على أساس أن من يمكّن الله لهم في الأرض بما يمنحهم من القوة والثروة والعلم يجب - وبحسب القانون القرآني - أن يكونوا صالحين وأخيارًا؛ بمعنى: أن يستخدموا قوتهم وثروتهم وعلمهم لا في الطغيان والتجبر، ولكن في حماية القيم النبيلة التي يُحمى بها العدل والحق وتمكّن لكل ما هو خير، وتنفي كل ما هو شر حتى تنعم البشرية بالأمن والاستقرار، وتعتدل أمور الحياة والناس.
وهذا ما جاءت الآية التالية للآيتين السابقتين لتقره؛ حيث يقول الله عز وجل: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) (4) .
ولأن إقرار حقوق عباد الله في أرض الله وحماية المستضعفين من بطش المتجبرين لا يقل حرمة عند الله من حرمة الأشهر الحرم؛ فقد أبيح القتال فيها لمن ظُلموا من المسلمين ومن فُتنوا في دينهم وأُخرجوا من ديارهم ظلمًا وعدوانًا.