فهرس الكتاب

الصفحة 2435 من 4557

والذي أريد أن أتحدث عنه اليوم هو الرد على هؤلاء المستشرقين الذين اتخذوا من هذه القضية مدخلًا للطعن في نبي الله صلى الله عليه وسلم، كما و أنهم تناولوا زواجه صلى الله عليه وسلم بهذا العدد، فجعلوا منه مادة للنيل منه صلى الله عليه وسلم، و وصفوه بأشياء ينبو عنها القلم.

و لما كان هذا الأمر من الخطورة بمكان لتعلقه بأشرف خلق الله على الإطلاق - و كان كل من يطلق لسانه في هذا الصدد يقول: لسنا نبتدع شيئًا، فها هي كتب التفسير و كتب السير تحكي ذلك -، لذا سأقوم الآن بعرض تلك الروايات التي اعتمدوا عليها رواية رواية، متبعًا كل رواية منها ببيان ما وجّه لأسانيدها من نقد، ثم أتبع ذلك بنقدها جميعًا من جهة متونها، و موقف الأئمة المحققين من هذه الروايات.

يقو الله تعالى: {وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله، و تخفي في نفسك ما الله مبديه، و تخشى الناس والله أحق أن تخشاه، فلما قضى زيد منها وطرًا زوجناكها لي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرًا وكان أمر الله مفعولًا} [الأحزاب/37]

إن السبب في طلاق زيد لزينب ومن ثم زواج النبي صلى الله عليه وسلم منها؛ هو ما كان بين زيد و بين زينب من خلافات، و أنه لم يكن بينهما وئام يؤمل معه أن تبقى الحياة الزوجية بينهما، فطلقها بمحض اختياره و رغبته، و كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهاه عن ذلك، و قد كان الله عز وجل قد أعلم نبيه صلى الله عليه وسلم أن زيدًا سيطلق زينب، و أنه ستكون زوجة له، و أنه صلى الله عليه وسلم كان يخفي هذا و يخشى من مقولة الناس، أنه تزوج مطلقة من كان يدعى إليه، فعاتبه ربه على ذلك. انظر: جامع البيان للطبري (22/11) و تفسير القرآن العظيم لابن كثير (3/489) ، و انظر البخاري ( برقم 4787) .

خلاصة ما جاء في كتب التفسير والتي استدل بها المستشرقون أن هناك سببًا آخر لطلاق زينب، هو أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى زينب فجأة و هي في ثياب المنزل فأعجبته، و وقع في قلبه حبها، فتكلم بكلام يفهم منه ذلك، إذ سمعه زيد فبادر إلى طلاقها تحقيقًا لرغبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، و أن زيدًا شاوره في طلاقها، و كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهاه عن ذلك، لكن في قلبه ضد هذا، و أنه كان راغبًا في طلاق زيد لها ليتزوجها، و فوق ذلك فقد أقر الله رسوله على ما فعل، بل عاتبه لِمَ يخفي هذا والله سيبديه.

و رغم شناعة ما جاء في هذه الروايات، و هذا الفهم للآية الكريمة التي تتحدث عن طلاق زيد لزينب و زواج النبي صلى الله عليه وسلم بها، إلا أنه قد جاز على أئمة فضلاء، ففسروا به الآية الكريمة، وأثبتوا ذلك صراحة في كتبهم وتفاسيرهم.

ومن هؤلاء الأئمة: ابن جرير الطبري في كتابه جامع البيان (22/12) ، عند تفسيره الآية ولم يذكر غيره.

و منهم: الرازي في تفسيره (13/184) ، حيث ذكر نحوًا من كلام ابن جرير.

ومنهم: ابن القيم في كتابه الجواب الكافي (ص 247) ، حيث ذكره في معرض سوقه لحكايات في عشق السلف الكرام والأئمة الأعلام.

ومنهم: الزمخشري في تفسيره (3/262) .

وأحسن ما يعتذر به عن هؤلاء الأئمة وأتباعهم ممن ذهب يفسر الآية بهذا، أنهم عدوا هذا منه صلى الله عليه وسلم من عوارض البشرية، كالغضب والنسيان، و لكنهم لم يستحضروا شناعة هذا التفسير للآية، و نسبة ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، و لم يدققوا في الروايات التي وصلتهم من جهة أسانيدها و متونها كما فعل غيرهم، ونحن نسأل الله أن يثيبهم على اجتهادهم وأن يغفر لهم.

والآن إلى نقد الروايات..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت