فهرس الكتاب

الصفحة 2438 من 4557

الرواية الخامسة: ذكرها القرطبي في تفسيره (14/190) قال مقاتل: زوّج النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش من زيد فمكثت عنده حينًا، ثم إنه عليه السلام أتى زيدًا يومًا يطلبه، فأبصر زينت قائمة، و كانت بيضاء جميلة جسيمة من أتمّ نساء قريش، فهويها وقال:"سبحان الله مقلب القلوب"، فسمعت زينب بالتسبيحة فذكرتها لزيد، ففطن زيد فقال: يا رسول الله ائذن لي في طلاقها، فإن فيها كبرًا، تعظم عليّ و تؤذيني بلسانها، فقال عليه السلام:"أمسك عليك زوجك واتق الله"، و قيل: إن الله بعث ريحًا فرفعت الستر و زينب مُتَفَضَّله في منزلها، فرأى زينب فوقعت في نفسه، و وقع في نفس زينب أنه وقعت في نفس النبي صلى الله عليه وسلم وذلك لما جاء يطلب زيدًا، فجاء زيد فأخبرته بذلك، فوقع في نفس زيد أن يطلقها.

هذه الرواية لم يذكروا لها إسنادًا إلى مقاتل، و لو صحت إلى مقاتل لم يفدها شيئًا، فإن مقاتلًا وهو مقاتل بن سليمان فيما يظهر قد كذبه جمع من الأئمة ووصفوه بوضع الحديث، و تكلوا في تفسيره. أنظر ترجمته في التهذيب (10/279-285) .

الرواية السادسة: قال ابن إسحاق: مرض زيد بن حارثة فذهب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوده و زينب ابنة جحش امرأته جالسة عن رأس زيد، فقامت زينب لبعض شأنها، فنظر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم طأطأ رأسه، فقال:"سبحان مقلب القلوب والأبصار"، فقال زيد: أطلقها لك يا رسول الله، فقال: لا"، فأنزل الله عز وجل { وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه...} إلى قوله {وكان أمر الله مفعولًا } . تعدد نساء الأنبياء و مكانة المرأة في اليهودية والمسيحية والإسلام اللواء أحمد عبد الوهاب ( ص 68) ."

هذه الرواية لم يذكروا لها إسنادًا، و لم أقف عليها في سيرة ابن هشام.

و بعد أن تبين ضعف هذه الروايات وسقوطها من جهة أسانيدها، فلننظر فيها من جهة متونها وما فيها من اضطراب ونكارة، من عدة وجوه:-

الوجه الأول: تناقض الروايات المذكورة، ففي بعضها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم زار زيد بن حارثة و هو غائب فاستقبلته زينب، و في بعضها أن زيدًا كان مريضًا، فزاره رسول الله صلى الله عليه وسلم، و كان عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم جالسًا هو و زيد و زينب، فكيف يكون زيد غائبًا و مريضًا في فراشه في وقت واحد.؟!

الوجه الثاني: والروايات التي ذكرت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم زار زيدًا اختلفت في كيفية رؤية الرسول صلى الله عليه وسلم لزينب رضي الله عنها، فرواية تقول بأنه كان واقفًا بالباب فخرجت إليه، و رواية بأنه كان واقفًا بباب زيد فرفعت الريح ستر الشعر فرآها فأعجبته.

الوجه الثالث: تتفق الروايات على أن إعجاب النبي صلى الله عليه وسلم بزينب ووقوع حبها في قلبه جاء متأخرًا، أي بعد أن تزوجها زيد رضي الله عنه، و هذا شيء عجيب، فلقد ولدت زينب ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد جاوز الثانية عشرة من عمره، و شبت وترعرعت أمامه، فهي ابنة عمته، ألم يلحظ مفاتنها إلا متأخرًا، و بعد أن صارت زوجة لدعيّه، و هو الذي زوجها له، والحجاب لم ينزل بعد، فقد نزل صبيحة عرسها، ألا يكون شاهدها، فلوا كان يهواها أو وقعت في قلبه لما منعه شيء من زواجها، فإشارة منه صلى الله عليه وسلم كافية لأن يقدموها له، بل قد ورد أنه وهبت نفسها له. أنظر كلام ابن العربي حول هذا الوجه في كتابه أحكام القرآن (3/1543) .

الوجه الرابع: لو افترضنا جدلًا أن حبها وقع في قلبه صلى الله عليه وسلم متأخرًا بعد رؤيته لها عند زيد بن حارثة، فبأي شيء يمكن تفسير ما صدر منه صلى الله عليه وسلم و فهم منه زيد و زينب أنها وقعت في قلبه، سواء كان ذلك تسبيحًا أو طأطأة للرأس، أو غير ذلك؟! كيف ذلك و هو الذي نهي عن أن يخبب الرجل امرأة غيره عليه؟ أفيعمل ما قد نهي أمته عنه؟! فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من خبب زوجة امرئ أو مملوكه فليس منا) أبو داود ( برقم 5170) بسند صحيح.

ولو افترضنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقصد إفهامها ذلك، وإنما صدر منه ذلك عفوًا دون قصد، فكيف بما ذكروا أنه عقد عليه قلبه من محبته و رغبته أن يطلقها زيد ليتزوجها؟ ولو نسب ذلك إلى آحاد المسلمين لكان ينبغي تبرئته من ذلك.

وفوق ذلك كله كيف يعاتبه الله كما تقول هذه الروايات لأنه أخفي ذلك عن الناس و لم يعلن أنه يحب زوجة زيد، وأنه يود لو طلقها ليتزوجها؟ تَصَوّرٌ مثل هذا كاف في ظهور بطلان هذه الروايات.

الوجه الخامس: هذه الروايات التي فسروا بها الآية لو لم يرد غيرها لم يصح أن يفسر بها كتاب الله تعالى، لسقوطها إسنادًا ومتنًا، فكيف و قد وردت روايات أخرى في تفسير الآية تفسيرًا منطقيًا لا إشكال فيه ولا نكارة، فالذي يخفيه صلى الله عليه وسلم هو ما أعلمه ربه أنه ستصبح زوجة له، و الذي يخشاه هو مقولة الناس إنه تزوج حليلة من كان يدعى إليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت