(إن حياة محمد، وقوة كقوة تأمله وتفكيره وجهاده، ورباطة جأشه لتثبيت أركان العقيدة الإسلامية··· إنه فيلسوف وخطيب ومشرع وهاد للإنسانية إلى العقل وناشر للعقائد المعقولة الموافقة للذهن وهو مؤسس دين لا فرية فيه ومنشئ عشرين دولة في الأرض وفاتح دولة في السماء من ناحية الروح والفؤاد، فأي رجل أدرك من العظمة الإنسانية ما أدرك محمد وأي آفاق بلغ إنسان من مراتب الكمال ما بلغ محمد· ويقول في موضع آخر:"أعظم حدث في حياتي هو أنني درست حياة رسول الله محمد دراسة واعية، وأدركت ما فيها من عظمة وخلود، ومن ذا الذي يجرؤ على تشبيه رجل من رجال التاريخ بمحمد؟! ومن هو الرجل الذي ظهر أعظم منه، عند النظر إلى جميع المقاييس التي تُقاس بها عظمة الإنسان؟! إن سلوكه عند النصر وطموحه الذي كان مكرسًا لتبليغ الرسالة وصلواته الطويلة وحواره السماوي هذه كلها تدل على إيمان كامل مكّنه من إرساء أركان العقيدة. إن الرسول والخطيب والمشرع والفاتح ومصلح العقائد الأخرى الذي أسس عبادة غير قائمة على تقديس الصور هو محمد، لقد هدم الرسول المعتقدات التي تتخذ واسطة بين الخالق والمخلوق [4] "
و هذا (جوتة) الأديب الألماني:""إننا أهل أوربا بجميع مفاهيمنا، لم نصل بعد إلى ما وصل إليه محمد، وسوف لا يتقدم عليه أحد، ولقد بحثت في التاريخ عن مثل أعلى لهذا الإنسان، فوجدته في النبي محمد… وهكذا وجب أن يظهر الحق ويعلو، كما نجح محمد الذي أخضع العالم كله بكلمة التوحيد" [5] "
ويقول الأديب الروسي (ليو تولستوي) والذي حرمته الكنيسة بسبب آرائه الحرة الجريئة:
"أنا واحد من المبهورين بالنبي محمد الذي اختاره الله الواحد لتكون آخر الرسالات على يديه، وليكون هو أيضًا آخر الأنبياء … ويكفيه فخرًا أنه هدى أمة برمتها إلى نور الحق، وجعلها تجنح للسكينة والسلام، وفتح لها طريق الرقي والمدينة" [6]
ويقول العلامة (شيريل) ، عميد كلية الحقوق بفيينا:"إن البشرية لتفتخر بانتساب رجل كمحمد إليها".
فهل ترى أن كل هؤلاء الأدباء والمفكرين - ولولا قصر الرسالة لذكرت أكثر من ذلك- من مختلف الجنسيات قد اخطأوا في مدح محمد؟ أو أنهم أجمعوا علي الثناء عليه بمحض الصدفة؟ أم أنهم كانوا غير مشهورين فأرادوا أن ينالوا الشهرة من خلال مدحهم له - صلى الله عليه و سلم-؟ أم أن هذه الشخصية العظيمة تستحق فعلا الثناء والمدح؟ ترى هذا الرجل الذي لبث بين ظهراني قوم جاهليين و ظل فيهم أربعين سنة لا يشاركهم في عبادتهم للأوثان و لا يقارف منكرًا مدة شبابه كله حتى إذا بلغ من العمر أربعين سنة وأصبح إلى الشيخوخة أقرب منه إلى الشباب أتى بهذا الأمر العظيم بعزيمة أمضى من السيف وأمل أسطع من البرق لا يكل ولا يمل حتى أدى رسالته ونجح في مهمته هل يمكن أن يكون مزوِّرا؟
هؤلاء أهل مكة قالوا له بألسنتهم قبل أن يبلغهم الدعوة"ما جربنا عليك كذبا قط"وكانوا يودعون عنده أماناتهم حتي بعد أن جهر بالدعوة لإنه عندهم ما زال الصادق الأمين ولو كذب مرة واحدة لما آمن به أحد منهم فهل تراه يذر الكذب على الناس ثم يكذب على الله؟ وقد بلغ من حسن أخلاقه أن الرجل كان يأتيه قبل أن يسلم وهو أشد الناس كراهية له - صلى الله عليه وسلم - فما يمكث معه إلا قليل حتى يقوم من عنده داعيًا قومه قائلًا لهم جئتكم من عند خير الناس و قد أصبح أحبهم إليه -صلى الله عليه وسلم.
هب أن أخلاقه هذه كانت تكلفًا مع الناس فهل يتحمل أن يتكلف أيضًا داخل بيته مع زوجاته و بناته - على كثرتهن - أم أنه كان يحسن معاشرتهن [7] ويقول: (خيركم خيركم لأهله و أنا خيركم لأهلي) حتى أن أول من آمن به و صدقه زوجته خديجة؟ وحينما سئلت زوجاته عن حاله في بيته قالت كان في مهنة أهله - تعني في خدمة أهله - فإذا حضرت الصلاة خرج فصلى وفي حديث آخر كان يخصف نعله ويخيط ثوبه ويعمل في بيته كما يعمل أحدكم في بيته ولم يضرب بكفه امرأة قط وكان يستئذن زوجاته إذا أراد أن يُمَرّض في بيت إحداهن و كان يداعبهن وسابق عائشة زوجته مرتين فسبقته وسبقها وكان يمزح ولا يقول إلا حقًا وكان يدعو أصحابه إلى إحسان عشرة النساء ويقول: (اتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهنَّ بأمانة الله) وكان يقول أن خير الدراهم هو الدرهم الذي ينفقه الرجل على أهل بيته
بل إن خادمه أنس بن مالك يقول: [خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فما قال لي: أف، ولا: لم صنعت؟ ولا: ألا صنعت[.وكانت آخر وصيته قبل موته (الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم) يوصي بالمحافظة على الصلاة وإحسان معاملة الخدم والعبيد.