فهرس الكتاب

الصفحة 2567 من 4557

ثم ماتت زوجته خديجة في عام أطلق عليه عام الحزن، فاستقدم إلى داره امرأة تقاربها في السن هي التي هاجرت معه إلى المدينة..

وصحيح أنه في السنوات العشر الأخيرة من حياته اجتمعت لديه نسوة أخريات! من هن؟ مجموعة من الأرامل المنكسرات أحاطت بهن ظروف صعبة، لم يشتهرن بالجمال ولا كان لهن من السن المبكرة ما يحدد الحياة اللهم إلا بكرًا واحدة بنت صديقه أبي بكر تزوجها توثيقًا لعلاقاتهما. وتزوج بعدها حفصة بنت صديقه عمر، ولم تعرف بجمال، بل بدا أن البناء بها بعد موت زوجها كان جبر خاطر ودعم مودة وجهاد!!..

وتزوج أم حبيبة المهاجرة إلى الحبشة، إنه لم يرها هناك بيد أنه يعرف إسلامها برغم أنف أبيها زعيم المشركين يومئذ، وبقاءها على الإسلام برغم أنف زوجها الضائع فهل يتركها في وحشتها وعزلتها؟ لقد أرسل يخطبها ويعز جانبها.

وكلما أحاطت ظروف سيئة بامرأة ذات مكانة، ضمها إليه، وما كان للشهوة موضع يلحظ، وأدركت النسوة القادمات هذه الحقيقة، وعرفن أن هذا الوضع فوق طاقة الإنسان العادي، فعرض بعضهن في صراحة أن يبقى منتسبًا للبيت النبوي مكتفيًا بهذا الشرف، ومتنازلًا عن حظ المرأة من الرجل، فإن الرسول آواهن مستجيبًا لنداء إنساني لا لبواعث الغريزة! أين مكان الغريزة والحالة على ما شرحنا؟

وفي استبقاء أولئك الزوجات على ما ارتضين نزلت آيات كريمة. منها قوله تعالى:"وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا فلا جناح عليهما أن يصلحها بينهما صلحًا. والصلح خير"ومنها قوله"ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء. ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك. ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن..".

إنه لا يستطيع إلا ذلك، فإن دوافع الشهوة كانت ميتة وراء هذا التعدد الذي فرضته أزمات أحاطت ببعض المؤمنات العريقات..

ولنفرض جدلًا أن الإعجاب بالجمال هو الذي أوحى بتزوج بعضهن، أفكانت أيام الحصار المضروب على الدعوة، والأزمات الخانقة التي يتعرض لها المسلمون عامة، وأهل البيت النبوي خاصة، تيسر للمؤمنين ونبيهم طعم الراحة؟ ما أشقى ربات البيت عندما يكون رب البيت أبًا لأمة كبيرة وملاذًا للمستضعفين واللاجئين وناشدي العون في الصباح والمساء، إنه يؤثر غيره بما لديه ويبيت هو واللاتي معه - على الطوى..

روى البخاري ومسلم عن عائشة قالت: ما شبع آل محمد من خبز الشعير يومين متتابعين حتى قبض رسول الله -صلى الله عليه وسلم-..

وعند مسلم قالت عائشة: لقد مات رسول الله وما شبع من خبز وزيت في يوم واحد مرتين..

وعند الترمذي، قال مسروق: دخلت على عائشة فدعت لي بطعام وقالت: ما أشبع فأشاء أن أبكي إلا بكيت! قلت: لم؟ قالت: أذكر الحال التي فارق عليها رسول الله الدنيا! والله ما شبع من خبز ولحم مرتين في يوم!

وعند البيهقي قالت: ما شبع رسول الله ثلاثة أيام متوالية، ولو شئنا لشبعنا، ولكنه كان يؤثر على نفسه!

وعند الطبراني ما كان ما كان يبقى على مائدة رسول الله شيء من خبز الشعير قليل ولا كثير! قال الحسن:"كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يواسي الناس بنفسه، حتى جعل يرقع إزاره بالأدم"ما أكثر العفاة الطارقين، يلتمسون المطعم والملبس!!

وكان الناس ربما اقتحموا البيت النبوي قبل إعداد الطعام بوقت طويل، أو جلسوا بعد الفراغ منه وقتًا طويلًا، ولا ريب أن ذلك كان يشق على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويجد منه الحرج فلم يكن بد من تنزل الوحي الإلهي يضع نظامًا صارمًا لهذا التسيب قال تعالى:"يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه، ولكن إذا دعيتم فادخلوا، فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحي منكم والله لا يستحي من الحق..".

إن زوجات النبي -صلى الله عليه وسلم- تعبن معه طويلًا في خدمة المجتمع وتعليم الناس ومعاونة الضعفاء واستقبال الوفود.

وكان مألوفًا أن يصحو النبي للصلاة، ويصلي بالناس في المسجد ثم يعود إلى بيته ليسأل عن شيء يفطر به فلا يجده فينوي الصيام.. وربما وجد بعض الخل فلا يضجر ولا يشقى بل يقبل عليه راضيًا قائلًا: نعم الأدم الخل..!! هذا هو نهج الحياة التي يزعم الأوربيون أنها كانت تلذذًا بالنساء واستمتاعًا بالدنيا بين أحضانهن.. أين هذه الدنيا الناعمة؟؟

وقد ذكر كتاب السيرة جميعًا كيف ضاقت الزوجات بهذا الشظف، وكيف اجتمعن على المطالبة بتغييره، وكيف تطلعن إلى حياة أهدأ وأهنأ.. فلما بوغتن بالرد الصارم: هذا أو الفراق! ثابت إلى نفوسهن مشاعر الإيمان وآثرن انتظار الآخرة، والعيش في ظل النبوة المكافحة على استعجال الطيبات في هذه الدنيا..

كان مفروضًا على بيت الوحي أن يعيش كأضعف بيت في الدنيا، وأن يتحمل المقيمات به كل ما يتحمله المهاجرون الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم، وعاشوا من بعد على ما تيسر..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت