فهرس الكتاب

الصفحة 2581 من 4557

والله .. إن مثل هذه الزيجة التي لا يطمع فيها أحد لهي بعض أعبائه عليه السلام ، وواجب ثقيل ألزم به نفسه الشريفة النبيلة صلى الله عليه وسلم .

ومن سواه يواسى الأرملة المحزونة ؟ من سواه يجبر المكسور ، ويفك الأسير ، ويعين على شدائد الدهر ، وهو الذي أرسله ربه رحمة للعالمين ؟!!

وأما السيدة عائشة بنت الصديق أبى بكر - رضي الله عنهما - فهي الزوجة الثالثة لنبي الهدى صلى الله عليه وسلم .. ومن الطبيعي أن يرتبط الداعية بالرجال الذين يقوم على أكتافهم البناء الشاهق ، وتنتشر الدعوة بهم ، ومن خلالهم إلى سائر إرجاء المعمورة .. وخير الروابط بين النبي وكبار أصحابه هو الرباط المقدس ( الزواج ) .. ولهذا تزوج عليه السلام من السيدة عائشة ، وكانت صغيرة السن .. كما تزوج أيضا لذات السبب من السيدة حفصة بنت عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما ..

وهناك سبب ثان لزواجه صلى الله عليه وسلم من السيدة حفصة ، فقد كانت متزوجة قبله من خنيس بن حذافة السهمي الذي أسلم معها وهاجر بها إلى المدينة فمات عنها ( عند قدوم النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة أحد ) متأثرا بإصابته في الغزوة (6) ، وعندما انقضت عدتها عرض عمر على أبى بكر الصديق أن يزوجه ابنته حفصة ، فسكت أبو بكر ، مما أغضب عمر - رضي الله عنهم أجمعين - وكان عمر قد عرضها قبل ذلك على عثمان بن عفان فلم يوافق كذلك ، مما أسخط الفاروق عليه كما سخط على صاحبه ، فجاء عمر يشكوهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم ..

وطيب صلى الله عليه وسلم خاطره وتزوجها تكريما لعمر ، كما كرم أبا بكر من قبل وتزوج بابنته عائشة .. وكان الباعث لأبى بكر على عدم قبول الزواج من حفصة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يذكرها لنفسه ، وما كان الصديق ليفشى سر رسول الله ، أو يتزوج بمن عزم صلى الله عليه وسلم على الزواج منها ..

ومن المعروف أن السيدة حفصة - رضي الله عنها - لم تكن جميلة مثل عائشة أو صفية ، لكنها كانت صوامة قوامة (7) تحب الله ورسوله (8)

فهل يكون الزواج في حالة السيدة عائشة والسيدة حفصة استكثارا من النساء ، أو جريا وراء الشهوات ؟!! أم هي ضرورات الدعوة ، وجبر الخاطر ، وتوكيد الروابط بين المصطفى صلى الله عليه وسلم وكبار رجال الدعوة الوليدة والرأفة بزوجة شهيد - مثل حفصة - لم يكن لها من الجمال أو المال ما يغرى غيره عليه السلام بالزواج منها ؟!!

إنه الرحمة المهداة ، والنعمة المسداة - عليه الصلاة والسلام ..

هناك أيضا ظروف زواج الرسول الأمين من السيدة زينب بنت خزيمة الملقبة بأم المساكين - رضي الله عنها - فقد كانت زوجة لابن عمه عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف - رضي الله عنه - الذي استشهد في يوم بدر وتركها وحيدة لا عائل لها ..

فهل يكون جزاء الصحابي وابن العم الشهيد أن تترك أرملته وحدها ؟!! ومن يصل الرحم ، ويجازى الشهيد ، ويخلفه في أهله بكل البر والخير والرحمة سوى الصادق الأمين خاتم المرسلين صلى الله عليه وسلم ؟!!

وهل مثل هذه الزيجة يكمن خلفها أي مطمع حسي أو غيره ؟! أو أنها واجب وعبء إضافي على عاتق المصطفى صلى الله عليه وسلم ؟!! وقد ماتت - رضي الله عنها - بعد زواجها من الرسول بعدة أشهر .

وكذلك جاء زواجه صلى الله عليه وسلم من السيدة أم سلمة - رضي الله عنها - واسمها (( هند بنت سهيل بن المغيرة المخزومى .. وقد أصيب - رضي الله عنه - يوم أحد ، ثم برئ الجرح بعدها بشهر .. وخرج - رضي الله عنه - في (( سرية قطن ) )ثم رجع منها بعد شهر آخر ، وانتقض الجرح عليه فتسبب في استشهاده - رضي الله عنه - وخلف وراءه السيدة أم سلمة وكثرة من الأطفال ..

فلما انقضت عدتها أرسل إليها النبي صلى الله عليه وسلم يخطبها ، فاعتذرت بأنها تقدمت في السن ، وأنها ذات أطفال ، وأنها شديدة الغيرة ، فرد عليه البشير النذير: (( أما ما ذكرت من غيرتك فيذهبها الله .. وأما ما ذكرت من سنك فأنا أكبر منك سنا ... وأما ما ذكرت من أيتامك فعلى الله وعلى رسوله ) ). (9) [أي أن عيالها سوف يرعاهم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم] ، وهذا أهم أهداف هذه الزيجة المباركة ، أي كفالة هؤلاء الأيتام ، فضلا عن رعاية الصحابية الجليلة بعد أن أصبحت أرملة ..

وأخيرا جاءت هذه الزيجة تكريما للزوج أبى سلمة نفسه بعه استشهاده ، برعاية أرملته وأطفاله ، وصلة لرحمه ، فهو ابن عمة الرسول صلى الله عليه وسلم .. فأين اتباع الشهوة في مثل هذا الارتباط بأرملة تجاوزت الخمسين وذات أطفال ؟!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت