فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
إن الله لا يعاتب أحدًا على كتمان حب طائش .. والذي أخفاه النبي صلى الله عليه وسلم في نفسه تأذيه من هذا الزواج المفروض ، وتراخيه في تنفيذ أمر الله به ، وخوفه من كلام الناس عندما يجدون نظام التبني - كما ألفوه - قد انهار .
وقد أفهم الله رسوله أن أمره سبحانه لا يجوز أن يعطله توهم شيء ما ، وأنه - إزاء التكليف الأعلى - لا مفر له من السمع والطاعة ، شأن من سبقه من المرسلين ، وأعقب الآية السابعة والثلاثين هذه بآيات أخرى تؤكد هذا المعنى:
{ ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدرا مقدورا . الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا } (16)
ويضيف الشيخ الغزالي: (( إنك حين تثبت قلب رجل تقول له: لا تخش إلا الله ، إنك لا تقول له ذلك وهو بصدد ارتكاب معصية .. إنما تقول له ذلك وهو يبدأ القيام بعمل فاضل كبير يخالف التقاليد الموروثة ، وظاهر في هذه الآيات كلها أن الله لا يجرئ نبيه على حب امرأة ، إنما يجرئه على إبطال عادة سيئة يتمسك الناس بها ، عادة التبني ، ويراد منه كذلك أن ينزل على حكمها ، لذلك يقول الله تعالى بعد ذلك مباشرة ، وهو يهدم نظام التبني: { ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيءٍ عليما } (17) و (18)
أما السيدة صفية بنت حيى بن أخطب زعيم اليهود ، فقد وقعت في الأسر بعد فتح خيبر ، وكان أبوها وأخوها وزوجها قد قتلوا في المعركة .. ورفقا ورحمة بها خيرها الرسول صلى الله عليه وسلم بين إطلاق سراحها وإلحاقها بقومها إن أرادت البقاء على يهوديتها ، وبين الزواج منه إن أسلمت ، فقالت له: (( يا رسول الله ، لقد هويت الإسلام وصدقت بك قبل أن تدعوني .. و خيرتني بين الكفر والإسلام ، فالله ورسوله أحب إلى من العتق ومن الرجوع إلى قومي .. فتزوجها الرسول صلى الله عليه وسلم ، وجعل تحريرها من الأسر هو مهرها .(19)
ومن الواضح أنه كان من الضروري ألا يتزوج ابنة ملك اليهود سوى من يفوق أباها منزلة ومكانة ، وهو سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم .. وليس معقولا و لا مقبولا أن تترك هذه المسكينة بعد ما كانت فيه من عز ورفاهية ورفعة لمن قد يسئ معاملتها ، أو يضرب وجهها ..
ويؤيد هذه الرؤية رواية دحية الكلبي - رضي الله عنه - فقد قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أعطني جارية من سبى يهود . فقال عليه السلام له: (( اذهب فخذ جارية ) )، فذهب دحية فأخذ صفية .. فرآها الصحابة فقالوا: (( يا رسول الله ، إنها سيدة بنى قريظة وبنى النضير ، ما تصلح إلا لك ) ) (20) .. فتزوجها صلى الله عليه وسلم لذلك السبب .
وذات الأمر كان دافعا للنبي صلى الله عليه وسلم للزواج من السيدة جويرية بنت الحارث بن ضرار زعيم بنى المصطلق .. فقد حارب أبوها المسلمين ، ولحقت به هزيمة منكرة كادت تتسبب في فناء قبيلته أو إذلالهم أبد الدهر .. فقد سقط المئات من بنى المصطلق أسرى ، ومنهم السيدة جويرية بنت الحارث .. وجاءت إليه فقالت: (( يا رسول الله ، أنا جويرية بنت الحارث سيد قومه .. وقد أصابني من الأمر ما قد علمت [ تقصد الأسر والذل ] فوقعت في سهم ثابت بن قيس فكاتبني على تسع أواق ، فأعِنى في فكاكي [ تطلب معاونته صلى الله عليه وسلم في دفع المتفق عليه لتحريرها من الأسر ] فقال لها صلى الله عليه وسلم: أو خير من ذلك ؟ فسألته: ما هو ؟ فقال صلى الله عليه وسلم أؤدي عنك كتابك وأتزوجك ..فقالت: نعم يا رسول الله ، قال صلى الله عليه وسلم: (( قد فعلت ) )
.. وخرج الخبر إلى الصحابة فقالوا: أصهار رسول الله - يقصدون بنى المصطلق - في الأسر .. فجعل الناس يطلقون سراح من عندهم من أسرى بنى المصطلق ، حتى تحرروا جميعا .
تقول السيدة عائشة - رضي الله عنها - (( أعتق بتزويج جويرية من النبي أهل مائة بيت ، فلا أعلم امرأة أعظم بركة على قومها منها .(21) و (22) .. وقد أسلم قومها جميعا بعد ذلك وحسن إسلامهم .
وهكذا كانت هذه الزيجة بركة وخيرا للإسلام والمسلمين من كل الوجوه ، ولم تكن للاستكثار من النساء كما يظن الجهلة ويشيع المنافقون و المستشرقون !!
ولو كان الأمر حبا للنساء استكثارًا من الحسناوات لما نزل بعد ذلك أمر من الله له يحظر عليه الزواج بعد من ذكرنا ، ولظل الرسول صلى الله عليه وسلم حرا يتزوج من شاء ، ويطلق من لا يريد .. ومات صلى الله عليه وسلم عن تسع زوجات ( وكانت السيدتان خديجة وزينب بنت خزيمة قد توفيتا في حياته ) وكان لهن نعم الزوج والعشير .. وصدق فيه قول رب العزة: { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } . (23)
(1) راجع النص في المقال الأول من هذا الكتاب.
(2) راجع الفصل الأول ( التعدد قبل الإسلام) .