فهرس الكتاب

الصفحة 2687 من 4557

كل الروايات التي وردت لم ترد بها لفظة ( آمنت بك وبمن أنزلك ) الا في رواية أبي داوود عن زيد بن أسلم وزيد ابن اسلم من طبقة التابعين فيكون سند زيادة زيد ابن اسلم منقطعا . ولكن المعنى لا غبار عليه لما سنسوقه لاحقًا

ونلخص ما سبق أن الحديث ورد بعدة صيغ في مواطن مختلفة:

1-حديث البراء بن عازب ( رواه أبو داوود ومسلم وابن ماجة وفي مسند أحمد )

2-حديث أبو هريرة ( رواه أبو داوود )

3-حديث ابن عمر ( رواه أبو داوود ومسلم )

4-حديث جابر بن عبد الله ( رواه أبو داوود )

ولهذا فقول القائل من ضلال النصارى كيف يقل محمد صلى الله عليه وسلم ( آمنت بك وبمن أنزلك ) أليس هذا إقرار منه بالتوراة , وهنا عدة مسائل تغيب عن فكر ضلال النصارى لما غشي أعينهم من الكفر:

الأولى: أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو المبلغ عن رب العباد , وهو قد حدد وبين لنا أوامر الشريعة ونواهيها , وما بلغه من رب العزة بلغنا به , ولهذا فنحن مأمورون باتباع ما يشرعه لنا 0 ( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) وهو المبلغ ( يا أيها النبي بلغ ما أنزل اليك ) ومما أنزل اليه صلى الله عليه وسلم ومما بلغنا به - الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ( آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله ) ولقوله ( قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم واسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ) فأحد عناصر ودعائم الإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم هو الإيمان بالكتب السابقة إجمالًا أنها من عند الله نزلت على أنبيائه المبلغين عنه وأنهم خير بشر بلغوا أمانة الله .

الثانية: ما أقره النبي صلى الله عليه وسلم - وهو المبلغ عن ربه - من شرع من هم قبلنا كاليهود والنصارى يعد من الصحيح من شرعهم ومما لم تناله يدهم بالتحريف والتبديل , سواء تحريف لفظ وخط , أو تحريف معنى وتأويل , والتحريف أنواع , وهذا مما لا يفهمه عوام الضالين من النصارى , وليس هذا موضعه , ولقد وصفهم رب العزة بأنهم ( إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا ) .

أما إيماننا بكتبهم إجمالًا فلا يعد من قبيل الإقرار بكل ما أتى بها , بل هو إيمان تسليم بأنها نزلت من عند الله على رسل الله وأما تفاصيل كتبهم ففيه مسائل:

الأولى: ما ورد لديهم يدل على وحدانية الله وإفراده بالعبادة , حتى لو لم يصلنا ما يؤيده من قول أو اقرار من نبي الله صلى الله عليه وسلم فهذا نؤمن به بصريح لفظه ولا نسلم لهم بتأويله أو صرف اللفظ عن صريح معناه كما يذهبون في تفسيراتهم .

الثانية: ما ورد تأييد وإقرار له من نبي الله صلى الله عليه وسلم كمسألتنا هذه - مسألة رجم الزاني , وهي مما بين صلى الله عليه وسلم أنهم أخفوها عن أتباعهم وأبدلوا الحكم بحكم آخر وهو نوع من التحريف (يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ) والقاعدة الشرعية نوافقهم فيما وافق شرعنا لقول الله ( ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين ) .

تصديق: لما معهم من الحق وافق شرعنا وأقره صلى الله عليه وسلم فكتابهم كما ذكرنا بموضع آخر به من الحق جزء ومن الباطل أجزاء .

تفصيل: لما أجمل بكتابهم ولم تتضح أحكامه يبينها شرعنا ويقرها صلى الله عليه وسلم .

الثالثة: نرفض ما فيه شرك بالله كإشراك أحد معه سبحانه في العبادة سواء كان شرك الربوبية أو الألوهية .

مما سبق يتبين لنا أن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( آمنت بك وبمن أنزلك ) هو إيمان إجمال لا تفصيل , إيمان أنها من عند الله نزلت على نبي من أنبياء الله , وهذا ما لا ينكره عاقل أن التوراة كتاب من كتب الله , ومن ينكر هذا سواء من ملة الإسلام أو أي ملة أخرى فهو كافر بلا ريب .

لا يجوز في حق النبي تأخير البيان عن وقت الحاجة ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين ) فهو صلى الله عليه وسلم مأمور بالتبليغ في الحال , ولما سئل صلى الله عليه وسلم عن حكم الزاني من اليهود رغبة منهم في عدم تحمل مسئولية الحكم في الحادثة - كان هذا وقت التبليغ فلا يجوز في حقه صلى الله عليه وسلم تأخير التبليغ , فبين لهم صلى الله عليه وسلم الحكم وهذه الحادثة أدل على صدق النبي صلى الله عليه وسلم ولو لم يكن رسول الله ومبلغا عنه لكان أولى به أن يخالفهم بالحكم وهذا ما لا يجوز بحقه صلى الله عليه وسلم .

وتبليغه صلى الله عليه وسلم في هذه الحالة هو نوع من إقامة الحجة عليهم ونوع من الهداية فهو المبلغ والهدى من الله والقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن كما ورد بالاثر .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت