فهرس الكتاب

الصفحة 2739 من 4557

وقد حرف"جولد زيهر"هذا النص الذي نقله تحريفًا يقلب المعنى رأسًا على عقب ، ويوهم القارئ أن الزهري رحمه الله كان له دور في وضع بعض الأحاديث ، مع أن النص الصحيح الذي أثبته المؤرخون - كابن عساكر في تاريخ دمشق و ابن سعد في الطبقات ، و الخطيب في تقييد العلم ، و الذهبي في السير وغيرهم - أن الزهري كان يمتنع عن كتابة الأحاديث للناس -ليعتمدوا على ذاكرتهم ، ولا يتكلوا على الكتب - فلما طلب منه هشام وأصر عليه أن يملي على ولده ليمتحن حفظه ، أملى عليه أربعمائة حديث ، فلما خرج من عند هشام ، نادى بأعلى صوته:"يا أيها الناس إنا كنا منعناكم أمرًا قد بذلناه الآن لهؤلاء ، وإن هؤلاء الأمراء أكرهونا على كتابة"الأحاديث"، فتعالوا حتى أحدثكم بها ، فحدثهم بالأربعمائة حديث"،فيكون معنى العبارة إنهم أكرهونا على كتابة أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، بعد أن كنا نرويها من حفظنا .

ومما يؤكد هذا المعنى رواية الدارمي بإسناد صحيح لقول الزهري:"كنا نكره كتابة العلم حتى أكرهنا عليه السلطان ، فكرهنا أن نمنعه أحدًا"، وهو يدلك على مبلغ ديانة هذا الإمام ، وأمانته وإخلاصه في نشر العلم ، حيث لم يرض أن يبذل للأمراء ما منعه عن عامة الناس ، فجاء هذا المستشرق الحاقد ، فأسقط"أل"ليتغير المعنى تمامًا ، وينقلب رأسًا على عقب فيصير المعنى إنهم أكرهونا على وضع أحاديث من عندنا ننسبها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

ولم يكتف بما تقدم ، بل أخذ يبحث عن كل شاردة وواردة ، ويتصيد كل ساقط من القول ، ليتخذ من ذلك دليلًا على التشكيك في أمانة الزهري ودينه وخلقه ، حتى وإن كانت النصوص التاريخية - التي يتجاهلها عمدًا أو يحرفها إذا اقتضت الضرورة - تكذبه وتدحض كل شبهاته ، ومن ذلك زعمه بأن الزهري حج مع"الحجاج بن يوسف الثقفي"الذي عرف بالجور والظلم ، مع أن الثابت تاريخيًا أن الزهري رحمه الله إنما حج مع عبد الله بن عمر وكان معه حين اجتمع مع الحجاج كما ورد ذلك في تهذيب التهذيب .

وأخيرًا عاب على الزهري أنه تولى القضاء"ليزيد الثاني"وكان الأولى به - لو كان تقيًا- أن يهرب كما هرب الشعبي والصالحون محتجًا بحديث: ( من ولي القضاء أو جعل قاضيًا فقد ذبح بغير سكين ) ، فجعل من ذلك مبررًا كافيًا لاختلال مروءته وسقوط عدالته .

مع أن أحدًا من أهل العلم لم يعتبر تولي القضاء من موجبات الجرح ، والاتهام في العدالة ، وقد تولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القضاء بين الناس ، وولاه بعض الصحابة كعلي و معاذ و معقل بن يسار وغيرهم ، كما تولى الخلفاء الراشدون بأنفسهم القضاء ، وولى عمرُ أبا الدرداء قضاء المدينة ، و شريحًا قضاء البصرة ، و أبا موسى الأشعري قضاء الكوفة ، وجاء في كتاب تولية عمر له قوله:"فإن القضاء فريضة محكمة ، وسنة متبعة ...."إلى أن قال:"فإن القضاء في مواطن الحق مما يوجب الله به الأجر ، ويحسن به الذكر".

كما تولى كثير من التابعين القضاء لبني أمية وغيرهم مثل شريح ، و أبي إدريس الخولاني ، و الحسن البصري ، و عبد الرحمن بن أبي ليلى ،و القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود ، و مسروق ، ومنهم من تولى القضاء للحجاج نفسه ، ومع ذلك فلم يرد عن أحد من الأئمة جرح أي منهم ، لتوليهم منصب القضاء ، بل رأيناهم على العكس من ذلك اتفقوا على تعديلهم وتوثيقهم .

وقد نص أهل العلم على أن القضاء تعتريه الأحكام التكليفية الخمسة ، وأنه قد يجب أحيانًا على من تعين عليه ، لما فيه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأداء الحقوق إلى أهلها ، والإصلاح بين الناس ، وأن تولي القضاء للظلمة جائز بلا نزاع ، وأما الوعيد الوارد في الحديث وغيره من الأحاديث فالمقصود منه حث القاضي على توخي الحكم الشرعي ، والعدل بين الناس ، وتحذير من لم يكن أهلا لتولي هذا المنصب ، أو لم يؤد الحق فيه ، وليس المراد منه النهي عن تولي القضاء مطلقًا ، قال ابن فرحون في تبصرة الحكام:"واعلم أن كل ما جاء من الأحاديث التي فيها تخويف ووعيد ، فإنما هي في قضاء الجور للعلماء أو الجهال الذين يدخلون أنفسهم في هذا المنصب بغير علم , ففي هذين الصنفين جاء الوعيد".

نعم فرَّ كثيرٌ من العلماء من القضاء ، وتحمل بعضهم في سبيل ذلك بعض الأذى ، ولكن أحدًا منهم لم يفعل ذلك لكونه مسقطًا للعدالة وداعية إلى الجرح ، وإنما فعلوه بدافع الورع والزهد ، والخوف من أن يلقوا الله وعليهم تبعات من أمور الناس .

وبهذا يعلم أن تولي القضاء ليس مسقطًا للعدالة - كما أراد أن يصوره جولد زيهر - ، بل هو شرف عظيم لمن قام بحقه ، ولو لم يكن فيه إلا النيابة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحكم بين الناس بما أنزل الله ، لكفى بذلك شرفًا وفضلًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت