ولولا أن ثبتناك"على الحق وعصمناك عن موافقتهم"لقد كدت تركن إليهم"لقاربت أن تميل إليهم أدنى ميل، والركون هو الميل اليسير، ولهذا قال:"شيئًا قليلًا"لكن أدركته صلى الله عليه وسلم العصمة فمنعته من أن يقرب من أدنى مراتب الركون إليهم، فضلًا عن نفس الركون، وهذا دليل على أنه صلى الله عليه وسلم ما هم بأجابتهم، ذكر معناه القشيري وغيره، وقيل المعنى: وإن كادوا ليخبرون عنك بأنك ملت إلى قولهم، فنسب فعلهم إليه مجازًا واتساعا كما تقول للرجل: كدت تقتل نفسك: أي كاد الناس يقتلونك بسبب ما فعلت، ذكر معناه المهدوي."
جاء في تفسير البيضاوي
ولولا أن ثبتناك"ولولا تثبيتنا إياك."لقد كدت تركن إليهم شيئًا قليلًا"لقاربت أن تميل إلى ابتاع مرادهم ، والمعنى أنك كنت على صدد الركون إليهم لقوة خدعهم وشدة احتيالهم لكن أدركتك عصمتنا فمنعت أن تقرب من الركون فضلًا عن أن تركن إليهم ، وهو صريح في أنه عليه الصلاة والسلام ما هم بإجابتهم مع قوة الدواعي إليها، ودليل على أن العصمة بتوفيق الله وحفظه."
وجاء في تفسير البغوي
قوله عز وجل:"وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك"الآية ، اختلفوا في سبب نزولها
قال سعيد بن جبير: كان النبي صلى الله عليه وسلم يستلم الحجر الأسود فمنعته قريش ، وقالوا: [ لا تلم] حتى تلم بآلهتنا وتمسها ، فحدث نفسه: ما علي أن أفعل ذلك والله تعالى يعلم أني لها كاره ، بعد أن يدعوني حتى أستلم الحجر الأسود
وقيل: طلبوا منه أن يمس آلهتهم حتى يسلموا ويتبعوه فحدث نفسه بذلك ، فأنزل الله هذه الآية
وقال ابن عباس:"قدم وفد ثقيف على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: نبايعك على أن تعطينا ثلاث خصال ، قال: وما هن ؟ قالوا: أن لا ننحني - أي في الصلاة - ولا نكسر أصنامنا بأيدينا ، وأن تمتعنا باللات سنة من غير أن نعبدها . فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا خير في دين لا ركوع فيه ولا سجود، وأما أن تكسروا أصنامكم بأيديكم فذاك لكم ، وأما الطاغية - يعني اللات والعزى - فإني غير ممتعكم بها ، فقالوا:: يا رسول الله إنا نحب أن تسمع العرب أنك أعطيتنا ما لم تعط غيرنا ، فإن خشيت أن تقول العرب أعطيتهم ما لم تعطنا، فقل الله: أمرني بذلك ؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فطمع القوم في سكوته أن يعطيهم ذلك ، فأنزل الله عز وجل هذه الآية":"وإن كادوا ليفتنونك"ليصرفونك"عن الذي أوحينا إليك""لتفتري"، لتختلق ،"علينا غيره وإذًا"، لو فعلت ما دعوك إليه"لاتخذوك خليلًا"أي: والوك وصافوك.
"ولولا أن ثبتناك"، على الحق بعصمتنا ،"لقد كدت تركن"أي: تميل ،"إليهم شيئًا قليلًا"أي: قريبًا من الفعل .
فإن: قيل: كان النبي صلى الله عليه وسلم معصومًا ، فكيف يجوز أن يقرب مما طلبوه وما طلبوه كفر ؟ .
قيل: كان ذلك خاطر قلب ، ولم يكن عزمًا وقد غفر الله عز وجل عن حديث النفس .
قال قتادة: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول بعد ذلك:"اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين".
والجواب الصحيح هو: أن الله تعالى قال:"ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئًا قليلًا"وقد ثبته الله،ولم يركن.
وجاء في تفسير الجلالين
(وإن) مخففة (كادوا) قاربوا (ليفتنونك) ليستنزلونك (عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا) لو فعلت ذلك (لاتخذوك خليلا)
ولولا أن ثبتناك) على الحق بالعصمة (لقد كدت) قاربت (تركن) تميل (إليهم شيئا) ركونا (قليلا) لشدة احتيالهم وإلحاحهم وهو صريح في أنه صلى الله عليه وسلم لم يركن ولا قارب.
وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ !!
قال تعالى: [وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (73) وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (74) إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا] [الإسراء] .
يذكر ابن كثير تفسيرًا إجماليًا لهذه الآيات، فيقول: «يخبر تعالى عن تأييده رسوله صلوات اللَّه عليه وسلامه، وتثبيته، وعصمته، وسلامته من شر الأشرار، وكيد الفجار، وأنه تعالى هو المتولي أمره ونصره، وأنه لا يكله إلى أحد من خلقه، بل هو وليه، وحافظه وناصره ومؤيده، ومظفره، ومظهر دينه على من عاداه وخالفه وناوأه، في مشارق الأرض، ومغاربها، صلى الله عليه وسلّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين» .