فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وعرف عن أئمة هذا الشأن الإكثار من الترحال والتنقل في طلب الأسانيد ، للوقوف على أحوال الرواة وسيرهم عن كثب ، وحرصًا منهم على قرب الأسانيد وقلة النقلة والوسائط ، ونظرة سريعة في تراجم الرواة تدلنا على مدى المشاق والصعوبات التي لقيها هؤلاء الأئمة واستعذبوها في سبيل حفظ السنة وسماع أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من منابعها الصحيحة ومصادرها الأصلية ، حتى رأينا الصحابي يرحل من المدينة - التي هي بلد رسول الله وموطن الحديث - إلى مصر في طلب حديث سمعه آخرُ من النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وأخبار العلماء ورحلاتهم في ذلك كثيرة يضيق المقام بذكرها ، ولا ينقضي العجب منها ، وحسبنا أن نشير إلى شيء منها لنعرف عظم الجهود التي بذلها أسلافنا في جمع الحديث النبوي وحفظه وصيانته .
فهذا أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه يرحل من المدينة إلى مصر ليسأل عقبة بن عامر عن حديث سمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما قدم قال له: حدِّثْنا ما سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم- في ستر المسلم ، لم يبق أحد سمعه غيري وغيرك ، فلما حدَّثه ركب أبو أيوب راحلته وانصرف عائدًا إلى المدينة ، وما حلَّ رحله .
وهذا جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه بلغه حديثٌ عن صحابي بالشام سمعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاستعظم أن يفوته شيء من حديث رسول الله ، فاشترى بعيرا وشد عليه رحله ، وسافر مسيرة شهر حتى قدم الشام ، فإذا هو عبد الله بن أنيس فقال له:"حديثٌ بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في القصاص ، فخشيت أن تموت أو أموت قبل أن أسمعه ، فقال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ( يُحشر الناس يوم القيامة - أو قال العباد - عراة غرلا بُهْما ) وذكر الحديث ."
ومن بعد الصحابة سار التابعون على هذا المنوال فكان أحدهم يخرج من بلده لا يُخْرجه إلا حديث عن صحابي يريد أن يسمعه منه مباشرة بدون واسطة ، يقول أبو العالية:"كنا نسمع الرواية بالبصرة عن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا نرضى"
حتى نركب إلى المدينة فنسمعها من أفواههم"."
ولذلك جاءت العبارات عن الأئمة في التشديد على التمسك بالإسناد والتزامه في الرواية واعتباره جزءًا من الدين مما يوجب على المرء أن يعرف عمن يأخذ دينه ، يقول عبد الله بن المبارك:"الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء"، وكان يقول:"بيننا وبين القوم القوائم"يعني الإسناد .
وكانوا لا يقبلون حديثًا ورد إليهم إلا إذا أسنده صاحبه وتأكدوا من صحة هذا الإسناد مهما كانت مكانة من رواه ، فقد روى مسلم في مقدمة الصحيح بسنده إلى أبي إسحاق إبراهيم بن عيسى الطالقاني قال: قلت لعبد الله بن المبارك: يا أبا عبد الرحمن ، الحديث الذي جاء"إن من البر بعد البر ، أن تصلي لأبويك مع صلاتك ، وتصوم لهما مع صومك"، قال: فقال عبد الله:"يا أبا إسحق عمن هذا ؟ قال: قلت له: هذا من حديث شهاب بن خراش ، فقال: ثقة ، عمن؟ قال: قلت: عن الحجاج بن دينار . قال: ثقة ، عمن ؟ قال: قلت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: يا أبا إسحاق إن بين الحجاج بن دينار وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - مفاوز تنقطع فيها أعناق المطي ، ولكن ليس في الصدقة اختلاف".
وقال شعبة:"كل حديث ليس فيه حدثنا وحدثنا فهو مثل الرجل بالفلاة معه البعير ليس له خطام".
وعظم اهتمام علماء الحديث بالإسناد حفاظًا على سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أن تنالها يد العابثين ، أو تتطرق إليها أهواء المغرضين ، قال الإمام أبو حاتم بن حبان:"ولو لم يكن الإسناد وطلب هذه الطائفة له ، لظهر في هذه الأمة من تبديل الدين ما ظهر في سائر الأمم ، وذاك أنه لم يكن أمة لنبي قط حفظت عليه الدين عن التبديل ما حفظت هذه الأمة ، حتى لا يتهيأ أن يزاد في سنة من سنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ألِف ولا واو ، كما لا يتهيأ زيادة مثله في القرآن ، فحفظت هذه الطائفة السنن على المسلمين ، وكثرت عنايتهم بأمر الدين ، ولولاهم لقال من شاء بما شاء".