فهرس الكتاب

الصفحة 2796 من 4557

فإذا كان محمد صلى الله عليه وسلم قد طهر من هذه الخطيئة في المجتمع الذى كان يراها عادية ومألوفة ، ثم كانت رسالته صلى الله عليه وسلم تحرمها التحريم القاطع والصريح ، وتضع مرتكبيها في مرتبة الانحطاط والشذوذ عن الأسوياء من البشر..

فلِمَ يُعَيّر محمد صلى الله عليه وسلم بأن بعض قومه زناة ؟ وهل يصح في منطق العقلاء أن يعيبوا إنسانًا بما في غيره من العيوب ؟ وأن يحملوه أوزار الآخرين وخطاياهم ؟.

وهنا يكون للمسألة وجه آخر يجب التنويه إليه وهو خاص بالمسئولية عن الخطيئة أهى فردية خاصة بمن يرتكبونها ؟ أم أن آخرين يمكن أن يحملوها نيابة عنهم ويؤدون كفارتها ؟ !

أن الإسلام يمتاز بأمرين مهمين:

أولهما: أن الخطيئة فردية يتحمل من وقع فيها وحده عقوبتها ولا يجوز أن يحملها عنه أو حتى يشاركه في حملها غيره وصريح آيات القرآن يقول: (لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها لها ما كسبت وعليه ما اكتسبت) (3) . ثم: (ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى) (4) . وورد هذا النص في آيات كثيرة.

أما الأمر الثانى: فيما أقره الإسلام في مسألة الخطيئة فهو أنها لا تورث ، ولا تنقل من مخطئ ليتحمل عنه وزره آخر حتى ولو بين الآباء وأبنائهم وفى هذا يقول القرآن الكريم: (واتقوا يومًا لا تجزى نفس عن نفس شيئًا ) (5) .

(هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت ) (6) .

(ليجزى الله كل نفس ما كسبت إن الله سريع الحساب) (7) .

(يوم تأتى كل نفس تجادل عن نفسها ) (8) .

(ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون ) (9) .

(كل نفس بما كسبت رهينة) (10) .

وغير هذا كثير مما يؤكد ما أقرَّه الإسلام من أن الخطايا فردية وأنها لا تورث ولا يجزى فيها والد عن ولده ، ولا مولود هو جاز عن والده شيئًا.

وما دام الأمر فلا أن فلم يلام محمد صلى الله عليه وسلم ولا يعاب شخصه أو تعاب رسالته بأن بعض أهله أو حتى كلهم زناة مارسوا الخطيئة التى كان يعترف بها مجتمعه ولا يجزى فيها شيئًا أو ينقص الشرف والمروءة أو يعاب بها عندهم من يمارسها.

وحسب محمد صلى الله عليه وسلم أنه لم يقع أبدًا في هذه الخطيئة لا قبل زواجه ولا بعده ، ثم كانت رسالته دعوة كبرى إلى التعفف والتطهر وإلى تصريف الشهوة البشرية في المصرف الحلال الذى حض الإسلام عليه وهو النكاح الشرعى الحلال ، ودعا المسلمين إلى عدم المغالاة في المهور تيسيرًا على الراغبين في الحلال ، حتى كان الرسول صلى الله عليه وسلم يزوج الرجل بأقل وأيسر ما يملك من المال ، وأثر عنه صلى الله عليه وسلم أن شابًا جاءه يرغب إليه في الزواج وما كان معه ما يفى بالمراد فقال له صلى الله عليه وسلم: [ التمس ولو خاتمًا من حديد ] (11) .

أكثر من هذا أنه صلى الله عليه وسلم كان يزوج بعض الصحابة بما يحفظ من القرآن الكريم.

لهذا لم تقع خطايا الزنا في المجتمع في العهد النبوى كله إلا في ندرة نادرة ، ربما لأن الحق سبحانه شاء أن تقع وأن يقام فيها الحد الشرعى ليسترشد بها المجتمع في مستقبل الأيام ؛ كتشريع تم تطبيقه في حالات محددة يكون هاديًا ودليلًا في القضاء والحكم.

هذا عن اتهام محمد صلى الله عليه وسلم بأن أهله زناة ، وهو كما أوضحنا اتهام متهافت لا ينال من مقام النبوة ولا يرتقى إلى أقدام صاحبها صلى الله عليه وسلم. وقد أتينا عليه بما تستريح إليه ضمائر العقلاء وبصائر ذوى القلوب النقية.

أما عن اتهامه صلى الله عليه وسلم بأن أهله من أصحاب الجحيم ، فهى شهادة لجلال التشريع الذى أنزله الحق - على محمد فأكمل به الدين وأتم به النعمة.

بل إن ما يعيبون به محمدًا صلى الله عليه وسلم من أن أهله من أصحاب الجحيم ليس أبدًا عيبًا في منطق العقلاء ذوى النصفة والرشد ؛ بل إنه وسام تكريم لمحمد صلى الله عليه وسلم ولرسالته الكاملة والخاتمة في أن التشريع الذى نزلت به سوَّى بين من هم أقرباء محمد صلى الله عليه وسلم وبين من هم غرباء عنه في جميع الأحكام ثوابًا وعقوبة.

بل إن التشريع الذى نزل على محمد صلى الله عليه وسلم نص صراحة على التزام العدل خاصة حين يكون أحد أطرافه ذا قربى فقال القرآن: (ما كان للنبى والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم) (12) . وقوله: (وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى ) (13) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت