فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
تلقوه بالقبول على أنه واقعة عين بسالم لا تتعداه إلى غيره ، ولا تلح للاحتجاج بها. قال الحافظ ابن عبد البر:"هذا يدل على أنه حديث ترك قديما ولم يعمل به ، ولا تلقاه الجمهور بالقبول على عمومه ، بل تلقوه على أنه خصوص". (شرح الزرقاني على الموطأ 3/292) ، وقال الحافظ الدارمي عقب ذكره الحديث في سننه:"هذا لسالم خاصة"
وبذلك صرحت بعض الروايات ، ففي صحيح مسلم عن أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ تَقُولُ: أَبَى سَائِرُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُدْخِلْنَ عَلَيْهِنَّ أَحَدًا بَّضَاعَةِ ، وَقُلْنَ لِعَائِشَةَ: وَاللَّهِ مَا نَرَى هَذَا إِلَّا رُخْصَةً أَرْخَصَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسَالِمٍ خَاصَّةً ، فَمَا هُوَ بِدَاخِلٍ عَلَيْنَا أَحَدٌ بِهَذِهِ الرَّضَاعَةِ وَلَا رَائِينَا .
إن قصة رضاعة سالم قضية عين لم تأت في غيره ، واحتفت بها قرينة التبني ، وصفات لا توجد في غيره ، فلا يقاس عليه .
ثم ننتقل إلى نقطة أخرى: هل قوله - عليه الصلاة و السلام - أرضعيه يحتم ملامسة الثدي كما يدعي النصارى؟ بالطبع النصراني لديه قائمة طويلة من استشهادات اللغويين العرب و علماء المسلمين بأن الرضاع هو مص الثدي و بالتالي طالما قال النبي"أرضعيه"فهو يقصد لا محالة هذا المعنى المباشر و لا شيء سواه !
حسنٌ، سنجيب على هذه الجدلية نقطة بنقطة بعون الله و لنبدأ أولًا بمقصد اللغويين و العلماء من تعريفهم للرضاع بمص الثدي: هل كانوا يقصدون الكبير؟ و هل قصروا التعريف على المص المباشر؟ لنر كيف عرفوا الرضاع …
الرضاع بالفتح والكسر (رَضاع - رِضاع ) : اسم من الإرضاع - النهاية في غريب الحديث لابن الأثير (2/229) .
وهو اسم لمص الثدي وشرب لبنه - الإقناع للشربيني (2/364) والروض المربع شرح زاد المستنقع لمنصور البهوتي (3/218) .
وشرعًا: اسم لحصول لبن امرأة أو ما يحصل منه في معدة طفل أو دماغه - الإقناع للشربيني (2/364) .
وقال الجرجاني: هو مص الرضيع من ثدي الآدمية في مدة الرضاع - التعريفات للجرجاني (111) .
وعرفه بعض العلماء بأنه: مصُ مَنْ دون الحولين لبنا ثاب عن حمل، أو شربه ونحوه - السلسبيل في معرفة الدليل للبليهي (3/95) وانظر الروض المربع (3/218) .
فظهر من هذه النماذج أن المقصود بالمص من الثدي إنما هو الرضيع أو ما دون الحولين و لا مكان للكبير هنا يا سادة يا كرام . و كذلك شرب اللبن بدون مباشرة الثدي يصح أن يكون رضاعًا . و قبل أن يتحفز النصارى للرد نسأل بكل هدوء و عقلانية: هل الطفل الذي يشرب الحليب من غير رضعه من الثدي مباشرة يثبت له حكم الرضاعة أم لا؟
الجواب أنه يثبت حسب قول الجمهور و لم يخالف سوى داود بن خلف الظاهري - مؤسس المذهب الظاهري المنقرض - و قد قاد هذا الموقف الشاذ للمدرسة الظاهرية ابن حزم الظاهري إلى رأي غاية في الشناعة بخصوص رضاع الكبير لا يوافقه عليه أحد من العلماء . قال فضيلة الأستاذ الدكتور موسى شاهين:"استدلال ابن حزم بقصة سالم على جواز مس الأجنبي ثدي الأجنبية ، والتقام ثديها ، إذا أراد أن يرتضع منها مطلقا ، استدلال خطأ ، دعاه إليه أن الرضاعة المحرمة عنده إنما تكون بالتقام الثدي ومص اللبن منه".
إذن إذا كان شرب اللبن بدون مباشرة الثدي يثبت حكم الرضاع للصغير فأولى به الكبير ، أليس كذلك ؟!
قال أبو عمر: صفة رضاع الكبير أن يحلب له اللبن ويسقاه ، فأما أن تلقمه المرأة ثديها ، فلا ينبغي عند أحد من العلماء .
وقال القاضي عياض: ولعل سهلة حلبت لبنها فشربه من غير أن يمس ثديها ، ولا التقت بشرتاهما ، إذ لا يجوز رؤية الثدي ، ولا مسه ببعض الأعضاء .
قال النووي: وهو حسن
(شرح الزرقاني على الموطأ 3/292 ) . انتهى الاقتباس حسب الحاجة .
فما رأي النصارى الأصاغر في هذا التعريف القاطع لرضاع الكبير ؟ لقد قالها الحافظ الكبير أبو عمر ابن عبد البر واضحة صريحة لا تقبل المناقشة و الجدال"صفة رضاع الكبير أن يحلب له اللبن ويسقاه ، فأما أن تلقمه المرأة ثديها ، فلا ينبغي عند أحد من العلماء"و هذا هو القول الحق الذي يليق بالرسول - صلى الله عليه و سلم - و عليه المسلمون شرقًا و غربًا . أما النصارى الذين أفسدت عقولهم و قلوبهم النصوص الجنسية بكتابهم فهم لا يرون سوى انعكاس قلوبهم المريضة و عقولهم العليلة في الحديث !
و ها هو دليل آخر من كلام ابن قتيبة الدينوري (ت 276ه) و هو عالم نحوي ليس له مثيل و خبير باللغة العربية و معانيها ..
قال ابن قتيبة:
فأراد رسول الله صلى الله عليه و سلم - بمحلها عنده، و ما أحب من ائتلافهما، و نفي الوحشة عنهما - أن يزيل عن أبي حذيفة هذه الكراهة، و يطيب نفسه بدخوله فقال لها"أرضعيه".
و لم يرد: ضعي ثديك في فيه، كما يفعل بالأطفال.