فهرس الكتاب

الصفحة 2883 من 4557

نعم تعمدتم عدم ذكر ذلك تلبيسًا منكم وتضليلًا للقارئ، ولأنكم تعلمون كما تعلم الدنيا بأسرها، أن فقه الإمام البخارى في تراجم أبوابه، التى أعيا فحول العلماء حل ما أبداه في هذه العناوين من أسرار! إنكم تعلمون أنكم بذكركم عنوان الباب، ينكشف سريعًا كذبكم وتضليلكم! كما أنكم تجاهلتم ما قاله شراح الحديث من أئمة المسلمين، والذين تحرصون على وصفهم بأنهم يقدسون البخارى، ويعبدونه من دون الله"وعصمهم الله من ذلك"تجاهلتم ما فسروه وبينوه من معنى"خلوة الرجل بالمرأة عند الناس"وكيف كانت تلك الخلوة؟

والنتيجة من تجاهلكم كل ذلك أنكم سفهتم عقول أئمة المسلمين، واستخففتم بعقل القارئ لكم

ثانيًا: تعالوا بنا لنظهر للقارئ ما حرصتم على كتمانه؛ ولنترك له الحكم بعد ذلك؛ فيمن الصادق البخارى أم أنتم؟ ومن الطاعن والمشكك في عصمة النبى البخارى أم أنتم؟ ومن المحترم لعقل القارئ البخارى أم أنتم؟

يقول الحافظ ابن حجر - رحمه الله - شارحًا المراد من عنوان الباب الذى ذكر الإمام البخارى تحته حديث أنس. قال: قوله:"باب ما يجوز أن يخلوا الرجل بالمرأة عند الناس"أى: لا يخلوا بها بحيث تحتجب أشخاصهما عنهم، بحيث لا يسمعون كلامهما، إذا كان مما يخافت به؛ كالشئ الذى تستحى المرأة من ذكره بين الناس، وأخذ المصنف قوله في الترجمة:"عند الناس"من قوله في بعض طرق الحديث"فخلا بها في بعض الطرق أو في بعض السكك"وهى: الطرق المسلوكة التى لا تنفك عن مرور الناس غالبا

وقوله:"فخلا بها رسول الله"أى: في بعض الطرق، ولم يرد أنس أنه خلا بها بحيث غاب عن أنصار من كان معه، وإنما خلا بها، بحيث لا يسمع من حضر شكواها، ولا ما دار بينهما، من الكلام، ولهذا سمع أنس آخر الكلام فنقله، ولم ينقل ما دار بينهما، لأنه لم يسمعه

وفى رواية مسلم عن أنس:"أن امرأة كان في عقلها شئ، فقالت: يا رسول الله! إن لى إليك حاجة، فقال: يا أم فلان! أى السكك شئت، حتى أقضى لك حاجتك، فخلا معها في بعض الطرق، حتى فرغت من حاجتها" ( [2] )

قال الإمام النووى - رحمه الله - قوله:"خلا معها في بعض الطرق"أى: وقف معها في طريق مسلوك، ليقضى حاجتها، ويفتيها في الخلوة، ولم يكن ذلك من الخلوة بالأجنبية، فإن هذا كان في ممر الناس، ومشاهدتهم إياه وإياها، لكن لا يسمعون كلامها، لأن مسألتها مما لا يظهره" ( [3] ) "

ومن هنا استفاد الأئمة من هذه الرواية:"أن مفاوضة الأجنبية سرًا لا يقدح في الدين عند أمن الفتنة، ولكن الأمر كما قالت عائشة رضى الله عنها،"وأيكم يملك أربه كما كان يملك أربه" ( [4] ) قلت: وإيانا أيضًا معصوم كعصمته"

ثالثًا: ليس في قوله:"إنكم أحب الناس إلى - مرتين - وفى رواية: ثلاث مرات"ما يطعن في عصمته في سلوكه وهديه، لأن هذه الكلمة قالها النبى جهارًا على ملأ من الناس لنساء وصبيان من الأنصار كانوا مقبلين من عرس

يدل على ذلك ما أخرجه البخارى عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: أبصر النبى ، نساءًا وصبيانًا مقبلين من عرس فقام ممتنًا فقال:"أنتم من أحب الناس إلى" ( [5] ) وهو على طريق الإجمال، أى: مجموعكم أحب إلى من مجموع غيركم

فالكلمة إذن لم يقلها رسول الله مغازلًا للمرأة الأنصارية التى اختلى بها ليقضى حاجتها؛ كما يحاول أن يزعم، ويستنتج أعداء الإسلام! وإنما قالها ، خطابًا لمجموع الأنصار. وتأمل قوله:"إنكم"ولم يقل"إنك"

وليس أدل على ما سبق أن الراوى للحديث أنس بن مالك، سمع هذه الجملة"إنكم أحب الناس إلى"وسمع كم مرة كررها رسول الله فإذا كانت الكلمة مقصودًا بها المغازلة؛ فلم جهر بها حتى سمعها أنس؟!

ولم لم يسر بها حتى لا يسمعها أنس إن كان مقصودًا بها ما يزعمه أعداء عصمته ؟

إن هذه الجملة:"إنكم أحب الناس إلى"قالها المعصوم: منقبة للأنصار، حيث جعل حبهم من علامات الإيمان، وبغضهم من علامات النفاق، فقال:"الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، فمن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله" ( [6] ) وفى رواية:"آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار" ( [7] )

قال الحافظ ابن حجر: وخصموا بهذه المنقبة العظمى، لما فازوا به دون غيرهم من القبائل من إيواء النبى ,، ومن معه، والقيام بأمرهم، ومواساتهم بأنفسهم وأموالهم، وإيثارهم إياهم في كثير من الأمور على أنفسهم، فكان صنيعهم لذلك موجبًا لمعاداتهم، جميع الفرق الموجودين من عرب وعجم، والعداوة تجر البغض، ثم كان ما اختصوا به مما ذكر موجبًا للحسد، والحسد يجر البغض، فلهذا جاء التحذير من بغضهم، والترغيب في حبهم، حتى جعل ذلك آية الإيمان والنفاق، تنويهًا بعظيم فضلهم، وتنبيهًا على كريم فعلهم، وإن كان من شاركهم في معنى ذلك مشاركًا لهم في الفضل المذكور، كل بقسطه" ( [8] ) "

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت