فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
الحق أنه من الأفضل أن تقول إنك تَحْسَب أو إنك تعتقد أن محمدا كان موجودا. وفيما يخصك فأنت في الواقع لم تقابل محمدا، لكن عدم مقابلتك إياه لا يعنى أنه كان موجودا، وإن لم يَعْنِ أيضا أنه لم يكن له وجود. ولسوف يكون الكلام أصحّ لو قلتَ إنك تظن أو إنك تعتقد أن شرلوك هولمز لم يكن له وجود، فأنت في الحقيقة لم تقابل قَطّ شرلوك هولمز ذاته، لكن عدم مقابلتك شخصا ما لا يعنى أنه لم يكن موجودا، وإن لم يعن أيضا أنه كان له وجود. إن هذا، فيما يبدو، ليبعث على الاضطراب، لكنك إذا اتجهت أخيرا إلى جوهر الموضوع، فعليك أن تجيب على السؤال التالى: ترى ما الذى تعرفه على وجه اليقين فينا يختص بمحمد لأنك قد تحققت منه؟ وكذلك ما الذى تعرفه على وجه اليقين فيما يختص بشرلوك هولمز لأنك قد تحققت منه؟ وعلى أى أساس إذن قد أقمتَ رأيك في محمد وفى شرلوك هولمز؟
وهاتان الشخصيتان قد عاشتا في زمنٍ جِدّ مبكِّر بحيث لا يمكن القول بأن هناك من معاصرينا من عرفهما في حياتهما. وبالنسبة لمرورهما على الأرض، فسواء كان ذلك صحيحًا أو مفترضًا فإننا لا نستطيع إلا أن نشير إلى الآثار التاريخية التى خلّفاها، أو لم يخلّفاها، وراءهما. ولسوف نلقى الآن نظرة على تلك الآثار التى خلفتها هاتان الشخصيتان. ولحسن الحظ فلسنا بحاجة إلى السفر إلى بلاد العرب ولا إلى إنجلترا لنقوم بذلك البحث، إذ هناك من قام بهذا بالنيابة عنا. وبفضل المِشْبَاك فسيكون من السهل الوصول مباشرة إلى المعلومات التى وضعها أولئك الأشخاص تحت تصرف جميع المِشْباكيين المهتمين بالموضوع كى يستطيع كل فرد أن يكوّن بسرعةٍ رأيه الشخصى بكل حرية واستقلال.
فى خُطَى شرلوك هولمز على أعقاب محمد
وسوف نبحث المسألة بطريقتين: الطريقة الأدبية والطريقة الآثارية، ولن نستعين عند الكلام عن كل من الشخصيتين إلا بأفضل المتخصصين. وسوف يكون مرجعنا بالنسبة لمحمد هو المعلومات التى وردتنا عن أشخاص متحمسين لسيرة حياته وشخصيته يُسَمَّوْن:"أهل السنة أو الشيعة"، ويطلَق عليهم جميعا في فرنسا دون تفرقةٍ اسم"المسلمين". وهذا هو الاسم الذى سوف نعتمده، ولن نستمد أية معلومة إلا من المواقع الإسلامية الناطقة بالفرنسية، وبالذات"إسلام فرانس". أما رأى غير المسلمين، أى الأشخاص الذين لم يدرسوا الوثائق الضخمة المتعلقة بسيرة محمد بعمقٍ، فلن يكون لهم بطبيعة الحال نفس الوزن الذى للمسلمين العارفين بكل ما يتعلق به. وبالنسبة لبعض غير المسلمين فإنهم يفسرون الإحالات والتناقضات في سيرة محمد على أساس أنه ليس أكثر من أسطورة لفقها على مدار القرون من هنا ومن ههنا كتّاب كانوا يشتغلون بخدمة بعض السادة في عصرهم بغية تحريك رجال الجيش لشن الحروب من أجلهم. وفى نظر غير المسلمين فإن هؤلاء ظلوا يرددون هذه الأسطورة لأكثر من ألف عام. بيد أن علماء المسلمين يردون بأن هذه الإحالات وتلك التناقضات ليست كذلك في الحقيقة، بل في الظاهر فقط، وأن محمدا هو أعظم الأنبياء جميعا وخاتمهم. وقد أضحى وضع الدراسات التى تهدف إلى تأكيد وجود محمد وإثبات أنه أمر لا يقبل المماراة فنا من الفنون. وهناك عدد هائل من الدراسات التى تتعلق بمحمد، بل هناك جامعة تُعَدّ مرجعا عالميا في هذا الموضوع.
والآن كما فعلنا مع محمد سوف نفعل مع شرلوك هولمز. وسوف يكون مرجعنا بالنسبة لشرلوك هولمز هو المعلومات التى وردتنا عن أشخاص متحمسين لسيرة حياته وشخصيته يُسَمَّوْن:"الهولمزيين أو الشرلوكيين". وفى فرنسا يُسَمَّى الشرلوكيون الإنجليز بـ"الهولمزيين"، وهم أعرف الناس بكل ما يتعلق بشرلوك هولمز، وهذا أمر من الوضوح التام بمكان. وسوف يقتصر اعتمادنا على المراجع الهولمزية، وهى مواقع كثيرة ناطقة بالفرنسية، وبالذات موقع"سوسييتيه شِرْلوك هولمز فرانس". أما رأى غير الهولمزيين، أى الأشخاص الذين لم يدرسوا الوثائق الضخمة المتعلقة بسيرة شرلوك هولمز بعمقٍ، فلن يكون لهم بطبيعة الحال نفس الوزن الذى للهولمزيين العارفين بكل ما يتعلق به. أما غير الهولمزييين فإنهم يفسرون الإحالات والتناقضات في سيرة شرلوك هولمز على أساس أنه ليس أكثر من أسطورة لفَّقها، من هنا ومن ههنا على مدى أربعين سنةً، كاتبٌ كان يشتغل بخدمة أحد رجال الصحافة في عصره بغية دفع القراء لشراء صحيفته. وفى نظر المكذِّبين فإن أتباع هولمز ظلوا يرددون كذبةً مضحكةً لأكثر من قرن. بيد أن الهولمزيين، بفضل ما كتبه واطسون، يردّون بأن هذه الإحالات وتلك التناقضات ليست كذلك في الحقيقة، بل في الظاهر فقط، وأن شرلوك هولمز هو أعظم مخبرى عصره. وقد أضحى وضع الدراسات التى تهدف إلى تأكيد وجود شرلوك هولمز وإثبات أنه أمر لا يقبل المماراة فنا من الفنون. وهناك عدد هائل من الدراسات التى تتعلق بشرلوك هولمز، وإن لم تكن هناك جامعةٌ يُرْجَع إليها في هذا الموضوع.