وهذا الضبط الثانى والمراد به، تثبته الروايات، وما جاء فيها من كثرة لغطهم ولغوهم
ثالثًا: اتفق العلماء على أنه لا يصح أن تكون هذه الكلمة"أهجر"إخبارًا، لأن الهجر بالضم، ثم السكون، من الفحش أو الهذيان، والمراد به هنا: ما يقع من كلام مستحيل في المريض الذى لا ينتظم، ولا يعتد به لعدم فائدته ( ) . ووقوع ذلك من النبى: ( ) ولقوله {وما ينطق عن الهوى} حقه، لأنه معصوم في صحته ومرضه، لقوله تعالى:"فوالذى نفسى بيده ما يخرج منه (أى من فمه الشريف في حال غضبه، ورضاه، وكذا صحته ومرضه) ، إلا حق" ( )
وعلى هذا لا يصح ظاهر رواية من روى في الحديث"هجر"أو"يهجر" ( ) وهى محمولة عند أهل العلم على وجهين:
الوجه الأول: حذف ألف الاستفهام، والتقدير أهجر؟
ويؤيد صحة هذا الحمل، أنه لو احتمل من بعض الصحابة ، أو عن شك عرض له في عصمة رسول أنه قال تلك الكلمة، إخبارًا عن حال رسول الله نفسه رد حال مرضه، لوجد من ينكره عليه من كبار الصحابة، بل من رسول الله الله عن عصمته، ولو ثبت الإنكار من الصحابة أو الرسول، لنقل إلينا، ولا نقل! وهو ما يؤكد صحة هذا المحمل
الوجه الثانى: في المراد بظاهر رواية"هجر"و"يهجر"هو قد غلبه حملها على ما جاء في الرواية الثانية من قول الفاروق عمر:"إن رسول الله الوجع"ويكون قائل"هجر"أو"يهجر"لم يضبط لفظه، وأجرى الهجر، مجرى شدة الوجع، يجوز عليه الهجر، وإلا وجد من ينكر عليه كم لأنه ينشأ منه، لا أنه اعتقد أنه سبق
هذا وقيل غير ذلك من الأقوال في توجيه كلمة"هجر"و"يهجر"فاقتصرت على ما سبق لكونه أرجح عندى من غيره ( )
وعلى ما سبق فليس في قول القائل"أَهَجَر"أيًا قد غلبه الوجع"كان قائلها، كما أنه ليس في قول عمر رضى الله عنه:"إن رسول الله ، ولا ما يشوه شخصيته، ويحط من قدره كما يزعم ما يتعارض مع عصمة رسول الله الرافضة! لأن قائل"أهجر"أو"أهجرًا"كان القول منه سلبًا للهجر لا إثباته، ، وإنكارًا أيضًا على المختلفين بين يديه وإنكارًا منه على من توقف في امتثال أمره ، وما أحدثوه بحضرته من لغط ولغو. ولو حملت الكلمة من قائلها، على الإخبار بحاله ينكر ذلك، عليه الصلاة والسلام لوجد من ينكر على قائلها، وعلى رأسهم رسول الله ، ولنقل إلينا، ولا نقل! مما يؤكد أن قائل"أهجر"قصد بها سلب الهجر عن رسول الله لا إثباته كما يزعم الرافضة!
رابعًا: اتفق قول العلماء - سوى الرافضة - على أن قول عمر"إن رسول الله، قد غلبه الوجع، عندكم القرآن، حسبنا كتاب الله"رد على من نازعه، لا على أمر النبى
كما أن العلماء عدو قوله: من قوة فقهه، ودقيق ، حين رآه قد غلب عليه نظره، ومن موافقاته للوحى، قصد منه التخفيف عن رسول الله الوجع، وشدة الكرب، وقامت عنده قرينه بأن الذى أراد كتابته، ليس مما لا يستغنون عنه، إذ لو كان من هذا القبيل، لم يتركه عليه الصلاة والسلام، لأجل اختلافهم يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فماولغطهم، لقوله تعالى: ( ) بلغت رسالته والله يعصمك من الناس
تبليغ غيره بمخالفة من كما لم يترك خالفه، ومعاداة من عاداه، وفى تركه عليه الصلاة والسلام، الإنكار على عمر إشارة إلى رأيه ( ) تصويبه
قلت: وهذا عندى من أقوى ما يتمسك به في الرد على الرافضة ومن بتصويب رأيه، الإنكار على عمر، هو إقرار منه قال بقولهم، لأن ترك رسول الله ويأخذ هذا الإقرار حكم المرفوع المسند
ويؤيد صحة ما سبق، من صحة رأى عمر، وأن بالكتابة لم يكن على سبيل الوجوب، ما جاء في نفس الحديث من وصيته عليه أمره الصلاة والسلام بثلاث قال:"اخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم ( ) وسكت عن الثالثة أو قال الراوى: فنسيتها" ( )
فهذا يدل على أن ، لم يكن أمرًا متحتمًا، لأنه لو كان مما أمر بتبليغه، لم يكن الذى أراد أن يكتبه يتركه لوقوع اختلافهم، ولعاقب الله عز وجل، من حال بينه وبين تبليغه، ولبلغه لهم لفظًا، كما أوصاهم بإخراج المشركين وغير ذلك
وقد عاش عليه الصلاة والسلام بعد هذه المقالة أيامًا، وحفظوا عنه أشياء لفظًا، فيحتمل أن مجموعها ما أراد أن يكتبه بالكتابة على الوجوب ويتركه! ويبعد مع كل هذا أن يكون أمره
كما يبعد كل البعد، بدليل ما سبق، ما يزعمه الرافضة من الوصية لعلى بن أبى طالب رضى الله عنه، بالخلافة من بعده عليه الصلاة والسلام، وزعمهم أن عمر رضى الله عنه، حال بين رسول الله، وبين كتابة تلك الوصية ( )